وهذه الوقفة تعترض كل طالب مجدّ في طلبه . فمنها يرجع على عقبه ، أو يصل إلى مطلبه كما قيل :
لا بد للعاشق من وقفة * ما بين سلوان وبين غرام
وعندها ينقل أقدامه * إما إلى خلف وإما أمام
والذي يظهر لي من كلامه : أن أوائل الجمع : مباديه ولوائحه وبوارقه .
وبعد هذا درجة رابعة . وهي الانقطاع عن مراده من ربه . والفناء عنه إلى مراد ربه منه ، والفناء به . فلا يريد منه ، بل يريد ما يريده منقطعا به عن كل إرادة . فينظر في أوائل الجمع في مراده الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه .
وأكثر أرباب السلوك عندهم
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
فرق
« وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
جمع .
ثم منهم من يرى : أن ترك الجمع زندقة وكفر . فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق .
ومنهم من يرى : أن مقام « التفرقة » ناقص مرغوب عنه . ويرى سوء حال أهله وتشتتهم .
فيرغب عنه عاملا على الجمع . يتوجه معه حيث توجهت ركائبه .
والمستقيمون منهم يقولون : لا بد للعبد السالك من جمع وفرق ، وقيام العبودية بهما . فمن لا تفرقة له لا عبودية له . ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال .
ف
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
فرق . و
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
جمع .
والحق : إن كلّا من مشهدي
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
متضمن للفرق والجمع ، وكمال العبودية بالقيام بهما في كل مشهد .
ففرق
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
تنوع ما يعبد به ، وكثرة تعلقاته وضروبه .
وجمعه : توحيد المعبود بذلك كله . وإرادة وجهه وحده ، والفناء عن كل حظ ومراد يزاحم حقه ومراده .
فتضمن هذا المشهد فرقا في جمع ، وكثرة في وحدة . فصاحبه يتنقل في منازل العبودية من عبادة إلى عبادة . ومعبوده واحد ، لا إله إلا هو .
وأما فرق
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
فشهود ما يستعين به عليه ، ومرتبته ومنزلته ، ومحله من النفع والضر ، وبدايته وعاقبته ، واتصاله - بل وانفصاله - وما يترتب عليه من هذا الاتصال والانفصال .
ويشهد - مع ذلك - فقر المستعين وحاجته ونقصه ، وضرورته إلى كمالاته التي يستعين ربّه في تحصيلها ، وآفاته التي يستعين ربّه في دفعها . ويشهد حقيقة الاستعانة وكفاية المستعان به .
وهذا كله فرق يثمر عبودية هذا المشهد .
وأما جمعه : فشهود تفرده سبحانه بالأفعال . وصدور الكائنات بأسرها عن مشيئته ، وتصريفها بإرادته وحكمته .
فغيبته بهذا المشهد عما قبله من الفرق : نقص في العبودية ، كما أن تفرقه في الذي قبله دون ملاحظته : نقص أيضا . والكمال إعطاء الفرق والجمع حقهما في هذا المشهد والمشهد الأول .
فتبين تضمن
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
للجمع والفرق . وباللّه المستعان .