الشواغل الكثيفة : صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن ، ومصير الحكم لهما . فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما ، وتشتد عناية الروح بها . وتصير في محل تلك العلائق والشواغل . فتملأ القلب . فتصرف تلك المعاني إلى المنطق ، والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة . ويتفق تجرد الروح . فتتشكل تلك المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة . وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية . فيرى صورها ، ويسمع الخطاب . وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء . ويحلف أنه رأى وسمع . وصدق ، لكن رأى وسمع في الخارج ، أو في نفسه ؟ ويتفق ضعف التمييز . وقلة العلم ، واستيلاء تلك المعاني على الروح . وتجردها عن الشواغل .
فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب . ومن سمّع نفسه غيرها فإنما هو غرور ، وخدع وتلبيس . وهذا الموضع مقطع القول ، وهو من أجلّ المواضع لمن حققه وفهمه . واللّه الموفق للصواب .
قال « الدرجة الثانية : إلهام يقع عيانا . وعلامة صحته : أنه لا يخرق سترا . ولا يجاوز حدا . ولا يخطئ أبدا » .
الفرق بين هذا وبين الإلهام ، في الدرجة الأولى : أن ذلك علم شبيه بالضروري الذي لا يمكن دفعه عن القلب . وهذا معاينة ومكاشفة . فهو فوقه في الدرجة ، وأتم منه ظهورا . ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين . وذكر له ثلاث علامات .
إحداها : « أنه لا يخرق سترا » أي صاحبه إذا كوشف بحال غير المستور عنه لا يخرق ستره ويكشفه ، خيرا كان أو شرا ، أو أنه لا يخرق ما ستره اللّه من نفسه عن الناس . بل يستر نفسه ، ويستر من كوشف بحاله .
الثانية : « أنه لا يجاوز حدا » يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي ، وتجاوز حدود اللّه . مثل الكهان ، وأصحاب الكشف الشيطاني .
الثاني : أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية ، مثل أن يتجسس به على العورات التي نهى اللّه عن التجسس عليها وتتبعها . فإذا تتبعها وقع عليها بهذا الكشف . فهو شيطاني لا رحماني .
الثالثة : أنه لا يخطئ أبدا . بخلاف الشيطاني . فإن خطأه كثير . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لابن صائد « ما ترى ؟ قال : أرى صادقا وكاذبا . فقال : لبّس عليك » فالكشف الشيطاني لا بد أن يكذب . ولا يستمر صدقه البتة .
قال « الدرجة الثالثة : إلهام يجلو عين التحقيق صرفا . وينطق عن عين الأزل محضا .
والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها » .
عين التحقيق عنده : هي الفناء في شهود الحقيقة « 1 » ، بحيث يضمحل كل ما سواها في ذلك
هامش
( 1 ) هي عند الصوفية - المتحدث بلسانهم ابن عربي والسهروردي والجيلي ، وإخوانهم - الحقيقة الإلهية التي فاض منها جميع الموجودات ، وجميع الموجودات مظاهر ومجالي لها ، وأسماء وصفات لها .