فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق : يدل على سعة قلب صاحبه ، وكرم نفسه وسجيته . وفي هذا الوصف : يكف الأذى ، ويحمل الأذى ويوجد الراحة ، ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ، ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ، ويمشي ميلين مع من سخره ميلا . وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها « 1 » .
وأما رفض العلائق عزما : فهو العزم التام على رفض العلائق ، وتركها في ظاهره وباطنه .
والأصل هو قطع علائق الباطن . فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر . فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر . ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء .
قيل للإمام أحمد : أيكون الرجل زاهدا . ومعه ألف دينار ؟ قال : نعم على شريطة ألّا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت « 2 » . ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال .
وقيل لسفيان الثوري : أيكون ذو المال زاهدا ؟ قال : نعم إن كان إذا زيد في ماله شكر ، وإن نقص شكر وصبر .
وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين : حيث يخاف منها ضررا في دينه ، أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة . والكمال من ذلك : قطع العلائق التي تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور . وهي كلاليب الشهوات والشبهات . ولا يضره ما تعلق به بعدها .
اعتصام خاصة الخاصة
قال : « واعتصام خاصة الخاصة : بالاتصال ، وهو شهود الحق تفريدا ، بعد الاستحذاء له تعظيما ، والاشتغال به قربا » .
لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال : كان ذلك للمتوسطين . وهذا عنده لأهل الوصول .
ويعني بشهود الحق تفريدا : أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا . ولا شيء معه ، وذلك لفناء الشاهد في الشهود ، والحوالة في ذلك عند القوم : على الكشف .
وقد تقدم أن هذا ليس بكمال . وأن الكمال : أن يفنى بمراده عن مراد نفسه . وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه : فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم .
وأما قوله « بعد الاستحذاء له تعظيما » فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبّر عن معنى لطيف عظيم بلفظة « الاستحذاء » التي هي استفعال من المحاذاة . وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء
هامش
( 1 ) هذه هي الرهبانية التي كرهها وحذر منها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهي - عند الصوفية - تقوم على زعم التخلص من سنن اللّه في الجبلات والطبائع البشرية . وتبديلها ، ثم تجر إلى الإباحية اعتمادا على عقيدة الحلولية الاتحادية .
( 2 ) لعله - رحمه اللّه - يقصد فرح الأشر والبطر . أما فرح المؤمن بالنعمة ليقدرها ويشكرها بحسن وضعها في موضعها من محاب اللّه ومراضيها . فلا يمكن أن يكره ذلك الإمام أحمد .