الشرع قضاء هذا المفرّط المضيع بدلا عن فعله العبادة في الوقت ؟ وهل ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده ؟ .
قالوا : وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد وقتها ، فمن هذا النمط . لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة ، فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا ، بل هو على الفور ، كالزكاة والحج ، عند من يراه على الفور . فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله .
نعم أولى الأوقات به : الوقت الأول على الفور . وتأخيره عنه لا يوجب كونه قضاء .
فإن قيل : فما تصنعون بقضاء رمضان . فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين رمضانين .
ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر ؟ ومع هذا لو أخره لزمه فعله ، وإطعام كل يوم مسكينا . كما أفتى به الصحابة رضي اللّه عنهم . وهذا دليل على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا ؟
قيل : قد فرّق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء . فجعل أيام رمضان محدودة الطرفين ، لا يجوز تقدمها ولا تأخرها . وأطلق أيام قضائه . فقال سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
[ البقرة : 183 ، 184 ] فأطلق العدة ولم يوقتها . وهذا يدل على أنها تجزىء في أي أيام كانت ، ولم يجئ نص عن اللّه ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزىء في غيرها . وليس في الباب إلا حديث عائشة رضي اللّه عنها « كأن يكون عليّ الصوم من رمضان ؛ فلا أقضيه إلا في شعبان ، من الشغل برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين الرمضانين . كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين . فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع . وجمع بين ما فرق اللّه بينهما . فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ولا تتأخر . وأطلق أيام القضاء ، وأكد إطلاقها بقوله « أخر » وأفتى من أفتى من الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر ، جبرا لزيادة التأخير عن المدة التي بين الرمضانين . ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء ، بل هي قضاء . وإن فعلت بعد رمضان آخر . فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد ، بخلاف أيام رمضان .
يوضح هذا : أنه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم مقامه يوما آخر مثله البتة . ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي بعده مقامه .
وسرّ الفرق : أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء . بل هو مخير فيها . وأي يوم صامه قام مقام الآخر . وأما غير المعذور : فأيام الوجوب متعينة في حقه لا يقوم غيرها مقامها « 1 » .
هامش
( 1 ) واللّه سبحانه ذكر قضاء رمضان في أيام أخر للمرض والسفر . ولكنه لم يجعل للصلاة عذرا في التأخير إلا النوم والنسيان . ولم يأمر الحائض بقضاء صلاة أيام حيضها . وذكر أن تضييع الصلاة شرك بقوله :وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَوأنه من المكذبين بالقرآن واليوم الآخروَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَوأن له الويل لأنه مكذب بيوم الدينوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 47 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ( 48 ) وفي الحديث الصحيح « من ترك الصلاة فقد أشرك » .