ومن أحكام التوبة
أن من تعذّر عليه أداء الحق الذي فرّط فيه ، ولم يمكنه تداركه ثم تاب . فكيف حكم توبته ؟
وهذا يتصور في حق اللّه سبحانه وحقوق عباده .
فأما في حق اللّه : فكمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر ، مع علمه بوجوبها وفرضها . ثم تاب وندم . فاختلف السلف في هذه المسألة .
فقالت طائفة : توبته بالندم ، والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة . وقضاء الفرائض المتروكة . وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم .
وقالت طائفة : توبته باستئناف العمل في المستقبل . ولا ينفعه تدارك ما مضى بالقضاء ، ولا يقبل منه ، فلا يجب عليه « 1 » . وهذا قول أهل الظاهر . وهو مروي عن جماعة من السلف .
وحجة الموجبين للقضاء قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها » .
قالوا : فإذا وجب القضاء على النائم والناسي ، مع عدم تفريطهما ، فوجوبه على العامد والمفرط أولى .
قالوا : ولأنه كان يجب عليه أمران : الصلاة . وإيقاعها في وقتها . فإذا ترك أحد الأمرين بقي الآخر .
قالوا : ولأن القضاء ، إن قلنا يجب عليه بالأمر الأول . فظاهر . وإن قلنا يجب عليه بأمر جديد ، فأمر النائم والناسي به : تنبيه على العامد كما تقدم .
قالوا : ولأن مصلحة الفعل إن لم يمكن العبد تداركها تدارك منها ما أمكن . وقد فاتت مصلحة الفعل في الوقت . فيتدارك ما أمكن منها . وهو الفعل في خارج الوقت .
قالوا : وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم » وهذا قد استطاع الإتيان بالمأمور خارج الوقت . وقد تعذر عليه الإتيان به في وقته . فيجب عليه الإتيان بالمستطاع .
قالوا : وكيف يظن بالشرع أنه يخفف عن هذا المتعمد المفرط العاصي للّه ورسوله بترك الوجوب ؟ ويوجبه على المعذور بالنوم أو النسيان ؟
قالوا : ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت . والعبادة إذا كان لها بدل ، وتعذر المبدل : انتقل المكلف إلى البدل . كالتيمم مع الوضوء ، وصلاة القاعد عند تعذر القيام ، والمضطجع عند تعذر القعود ، وإطعام العاجز عن الصيام - لكبر أو مرض غير مرجو البرء - عن كل يوم مسكينا . ونظائر ذلك كثيرة في الشرع .
قالوا : ولأن الصلاة حق مؤقت . فتأخيره عن وقته لا يسقط إلا بمبادرته خارج الوقت ، كديون الآدميين المؤجلة .
قالوا : ولأن غايته : أنه أثم بالتأخير . وهذا لا يسقط القضاء . كمن أخر الزكاة عن وقت وجوبها تأخيرا أثم به . أو أخر الحج تأخيرا أثم به .
هامش
( 1 ) بل هو لا يقدر عليه ، ولا يمكنه تداركه بالفعل . لأن شرطه الذي هو الوقت المكتوب قد ضاع عليه وفاته فوتا خرج به إلى الكفر . فلا يمكنه تداركه إلا بالرجعة الصادقة إلى الإسلام .