وأما الفسوق ، الذي لا يخرج عن الإسلام : فكقوله تعالى :
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
[ البقرة : 282 ] - الآية وقوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ
[ الحجرات : 6 ] - الآية .
فإن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لمّا بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا . وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية . فلما سمع القوم بمقدمه تلقّوه ، تعظيما لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فحدّثه الشيطان : أنهم يريدون قتله . فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
فقال : إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم . وأرادوا قتلي . فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهمّ أن يغزوهم .
فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقالوا : يا رسول اللّه ، سمعنا برسولك ، فخرجنا نتلقاه ونكرمه . ونؤدي إليه ما قبلنا من حق اللّه ، فبدا له في الرجوع . فخشينا أنه إنما ردّه من الطريق كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا . وإنا نعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله . فاتهمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر ، وأمره أن يخفي عليهم قدومه ، وقال له : انظر ، فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم ، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار . ففعل ذلك خالد ، ووافاهم ، فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء ، فأخذ منهم صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير ، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأخبره الخبر . فنزل
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
[ الحجرات : 6 ] - الآية .
و « النبأ » هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن . و « التبين » طلب بيان حقيقته والإحاطة بها علما .
وهاهنا فائدة لطيفة . وهي أنه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملة .
وإنما أمر بالتبين . فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق . ولو أخبر به من أخبر . فهكذا ينبغي الاعتماد في رواية الفاسق وشهادته وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ورواياتهم وشهاداتهم ، بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري . وفسقه من جهات أخر . فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته . ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت أكثر الحقوق ، وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ، ولا سيما من فسقه من جهة الاعتقاد والرأي ، وهو متحرّ للصدق ، فهذا لا يرد خبره ولا شهادته .
وأما من فسقه من جهة الكذب : فإن كثر منه وتكرر ، بحيث يغلب كذبه على صدقه ، فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته . وإن ندر منه مرة ومرتين ، ففي رد شهادته وخبره بذلك قولان للعلماء .
وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه اللّه .
والمقصود : ذكر الفسوق الذي لا يخرج إلى الكفر .
والفسوق الذي تجب التوبة منه أعم من الفسوق الذي ترد به الرواية والشهادة .
وكلامنا الآن فيما تجب التوبة منه ، وهو قسمان : فسق من جهة العمل . وفسق من جهة الاعتقاد .
ففسق العمل نوعان : مقرون بالعصيان ومفرد .
فالمقرون بالعصيان : هو ارتكاب ما نهى اللّه عنه . والعصيان : هو عصيان أمره . كما قال اللّه تعالى :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ
[ التّحريم : 6 ] وقال موسى لأخيه هارون عليهما السلام
قالَ