وأما الإحباط : فقد قال اللّه تعالى :
* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
( 33 ) [ محمّد : 33 ] وتفسير الإبطال هاهنا بالردة . لأنها أعظم المبطلات ، لا لأن المبطل ينحصر فيها . وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها . شبه سبحانه بطلانها - بالمنّ والأذى - بحال المتصدق رياء في بطلان صدقة كل واحد منهما . وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ
( 2 ) [ الحجرات :
2 ] وفي الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله » وقالت عائشة رضي اللّه عنها ، لأم ولد زيد بن أرقم - وقد باع بيع العينة - : « أخبري زيدا : أنه قد أبطل جهاده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ إلا أن يتوب » وقد نص أحمد على هذا في رواية ، فقال : ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه . فيستدين ويتزوج ، لا يقع في محظور فيحبط عمله .
فإذا استقرت قاعدة الشريعة - أن من السيئات ما يحبط الحسنات بالإجماع ومنها ما يحبطها بالنص - جاز أن تحبط سيئة المعاودة حسنة التوبة . فتصير التوبة كأنها لم تكن ، فيلتقي العملان ولا حاجز بينهما ، فيكون التأثير لهما جميعا .
قالوا : وقد دل القرآن ، والسنة ، وإجماع السلف على الموازنة . وفائدتها : اعتبار الراجح .
فيكون التأثير والعمل له دون المرجوح . قال ابن مسعود : « يحاسب الناس يوم القيامة . فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار . ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة . ثم قرأ :
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ
( 9 ) [ الأعراف : 8 ، 9 ] ثم قال : « إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح » ثم قال : « ومن استوت حسناته وسيئاته ، كان من أصحاب الأعراف » « 1 » .
وعلى هذا : فهل يحبط الراجح المرجوح ، حتى يجعله كأن لم يكن ، أو يحبط ما قابله بالموازنة . ويبقى التأثير للقدر الزائد ؟ فيه قولان للقائلين بالموازنة .
ينبني عليهما : أنه إذا كانت الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلا ، فهل يدفع الراجح المرجوح جملة ؟ فيثاب على الحسنات كلها ، أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات . فلا يثاب عليه ، ولا يعاقب على تلك السيئات ، فيبقى القدر الزائد لا مقابل له . فيثاب عليه وحده ؟ .
وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة .
وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة ، هل يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل ، أو بكل السيئات التي رجحت ؟ على القولين « 2 » . هذا كله على أصل أصحاب التعليل والحكم .
هامش
( 1 ) « الأعراف » من التعرف . وهم الشهداء الذين يستشهدهم اللّه على خلقهوَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) * وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ( 48 ) [ الأعراف : 46 - 48 ] .
( 2 ) متى سلم الإنسان من الشرك الذي لا يغفره اللّه تعالى لا يضيع له عمل ولا ينقص من أجره شيء . والموازنة بين حسناته وسيئاته تكون على قدر تأثيرها في تزكية نفسهوَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا *ولا يعلم درجة -