تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
( 130 ) [ الأنعام : 130 ] وفي الزمر :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
[ الزّمر : 71 ] ثم قال في الأنعام بعدها
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
( 131 ) [ الأنعام : 131 ] وعلى أحد القولين - وهو أن يكون المعنى : لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل - فتكون الآية دالة على الأصلين : أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة . وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال . وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص :
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 47 ) [ القصص : 47 ] فهذا يدل على أن ما قدّمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم . ولولا قبحه لم يكن سببا . لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها . وهو عدم مجيء الرسول إليهم . فمذ جاء الرسول انعقد السبب ، ووجد الشرط . فأصابهم سيئات ما عملوا . وعوقبوا بالأول والآخر .

الأدلة القرآنية بحسن الأفعال وقبحها

وأما الأصل الثاني - وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح - فكثير جدا . كقوله تعالى :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) * يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
( 33 ) [ الأعراف : 28 ، 33 ] فأخبر سبحانه أن فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه . وأمر باجتنابه بأخذ الزينة . و « الفاحشة » هاهنا هي طوافهم بالبيت عراة - الرجال والنساء - غير قريش « 1 » ثم قال تعالى :
إِنَّ
هامش
( 1 ) كانت قريش هي التي تقوم بتطويف الحجاج والمعتمرين ، وقيادتهم في كل مناسك الحج وشعائره . ويأخذون منهم ما يعيشون به ، استجابة لدعوة أبيهم إبراهيمرَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ( 37 ) [ إبراهيم : 37 ] فرزقهم اللّه مما أهوت إليهم أفئدتهم ، ولكن أكثرهم لم يقم الصلاة كما أحب اللّه ، ولا شكر اللّه ، بل كفروا ، واتخذوا الآلهة والأنداد من الموتى ، فكانت صلتهم بأوليائهم أقوى من صلتهم باللّه رب العالمين . وكان الشيطان مولاهم من دون اللّه . فقلل في أعينهم من نعمة اللّه فيما يسوق إليهم من الأرزاق . وأوحى إليهم أن يشرعوا للناس بدعة فاحشة : أن لا يطوف أحد بالبيت إلا في ثياب من عند قريش الحمس . وأن يخلعوا ثيابهم ويجعلوها لقى تحت أقدام الطائفين حول الكعبة . فانقاد الناس لهم بالتقليد وأصبح موردا لقريش يتحكمون به في الناس كما يشاؤون . ثم أوحى إليهم أن يزيدوا في الأثمان كلما رأوا إقبال الناس . حتى عجز أكثر الناس . وطلبوا من السادة المستكبرين الرخصة عن الثمن . فقالوا : لا بد من ذلك ، وإلا فطوفوا عراة ، فطافوا عراة .