نفرا من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم سألوا عن عبادته في السر ؟ فكأنهم تقالّوها . فقال أحدهم : أما أنا فلا آكل اللحم . وقال الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء . وقال الآخر : أما أنا فلا أنام على فراش .
فبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم مقالتهم . فخطب ، وقال : ما بال أقوام يقول أحدهم : أما أنا فلا آكل اللحم .
ويقول الآخر : أما أنا فلا أتزوج . ويقول الآخر : أما أنا فلا أنام على فراش ؟ لكني أتزوج النساء وآكل اللحم . وأنام وأقوم . وأصوم وأفطر . فمن رغب عن سنتي فليس مني » فتبرأ ممن رغب عن سنته ، وتعبد للّه بترك ما أباحه لعباده من الطيبات ، رغبة عنه ، واعتقادا أن الرغبة عنه وهجره عبادة . فهذا لم يميز بين ما عليه وما له .
ومثال الثاني : من يتعبد بالعبادات البدعية التي يظنها جالبة للحال ، والكشف والتصرف .
ولهذه الأمور لوازم لا تحصل بدونها البتة . فيتعبد بالتزام تلك اللوازم فعلا وتركا . ويراها حقا عليه . وهي حق له ، وله تركها . كفعل الرياضات ، والأوضاع التي رسمها كثير من السالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحاتهم ، من غير تمييز بين ما فيها من حظ العبد والحق الذي عليه .
فهذا لون وهذا لون .
[ الركن الثالث أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك ]
ومن أركان المحاسبة : ما ذكره صاحب المنازل ، فقال :
« الثالث أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك . وكل معصية عيّرت بها أخاك فهي إليك » .
رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه . وجهله بحقوق العبودية . وعدم عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به .
وحاصل ذلك : أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله ، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به ، يتولد منهما رضاه بطاعته ، وإحسان ظنه بها . ويتولد من ذلك : من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنى ، وشرب الخمر ، والفرار من الزحف ونحوها .
فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها .
وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات ، لشهودهم تقصيرهم فيها ، وترك القيام للّه بها كما يليق بجلاله وكبريائه . وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ، ولا رضيها لسيده .
وقد أمر اللّه تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات . وهو أجلّ المواقف وأفضلها . فقال :
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 199 ) [ البقرة : 198 ، 199 ] وقال تعالى :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
[ آل عمران : 17 ] قال الحسن : مدوا الصلاة إلى السحر . ثم جلسوا يستغفرون اللّه عزّ وجلّ . وفي الصحيح « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا . ثم قال : اللهم أنت السلام . ومنك السلام . تباركت يا ذا الجلال والإكرام » وأمره اللّه تعالى بالاستغفار بعد أداء الرسالة ، والقيام بما عليه من أعبائها ، وقضاء فرض الحج ،