بين ما يحبه اللّه ويبغضه ، ويأمر به وينهى عنه ، ويواليه ويعاديه ، علما وشهودا ، وإرادة وعملا ، مع شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره ، ومشيئته الشاملة العامة فيؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية . ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة .
فحظ الحقيقة الدينية : القيام بأمره ونهيه ، ومحبة ما يحبه ، وكراهة ما يكرهه ، وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه . وأصل ذلك : الحب فيه والبغض فيه .
وحظ الحقيقة الكونية : إفراده بالافتقار إليه ، والاستعانة به ، والتوكل عليه والالتجاء إليه ، وإفراده بالسؤال والطلب ، والتذلل والخضوع ، والتحقق بأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
وأنه لا يملك أحد سواه لهم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وأنه مقلب القلوب .
فقلوبهم ونواصيهم بيده ، وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه . إن شاء أن يقيمه أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه .
فلهذه الحقيقة عبودية . ولهذه الحقيقة عبودية . ولا تبطل إحداهما الأخرى . بل لا تتم إلا بها . ولا تتم العبودية إلا بمجموعهما . وهذا حقيقة قوله
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] بخلاف من أبطل حقيقة
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
بحقيقة
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
. وقال : إنها جمع
« إِيَّاكَ ، نَعْبُدُ »
فرق . وقد يغلو في هذا المشهد فلا يستحسن حسنة ، ولا يستقبح قبيحة . ويصرح بذلك ويقول : العارف لا يستحسن حسنة ، ولا يستقبح قبيحة . لاستبصاره بسر القدر .
ومنهم من يقول : حقيقة هذا المشهد : أن يشهد الوجود كله حسنا لا قبيح فيه ، وأفعالهم كلها طاعات لا معصية فيها . لأنهم - وإن عصوا الأمر - فهم مطيعون المشيئة . ويقولون :
أصبحت منفعلا لما تختاره * مني . ففعلي كلّه طاعات
ويقول قائلهم « من شهد الحقيقة سقط عنه الأمر » ويحتجون بقوله تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
( 99 ) [ الحجر : 99 ] ويفسرون « اليقين » بشهود الحكم الكوني . وهي الحقيقة عندهم « 1 » .
ولا ريب أن العامة خير من هؤلاء وأصح إيمانا . فإن هذا زندقة ونفاق ، وكذب منهم على أنفسهم ونبيهم وإلههم .
أما كذبهم على أنفسهم : فإنهم لا بد أن يفرقوا قطعا ، فرغبوا عن الفرق النبوي والقرآني ، ووقعوا في الفرق النفسي الطبعي . مثل حال إبليس ، تكبر عن السجود لآدم ، ورضي لنفسه بالقيادة لفساق ذريته « 2 » ومثل المشركين ، تكبروا عن عبادة اللّه الحي القيوم . ورضوا لأنفسهم
هامش
( 1 ) « الحقيقة » عندهم : أن ربهم هو النواة التي خرج منها الكون كله ، وأن أسماءه وصفاته هي أجزاء هذا الكون ومظاهره ، من كل ناطق وصامت وساكن ومتحرك . ولذلك يقولون : إن كل عابد مهما عبد من إنسان وحيوان وحجر وشجر وكوكب : فما عبد إلا ربهم . وإنما كفره بالتخصيص . وسبحان ربنا وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
( 2 ) بهامش من الأصل : وما أحسن قول أبي نواس فيه :عجبت من إبليس في كبره * وفي الذي أظهر من نخوته
تاه على آدم في سجدة * وصار قودا لذريته