فإظهار الموجودات على صفة الوحدة صورة شهادة الحق تعالى أنه واحد لا شريك له شهادة أبدية أزليّة غير مستندة إلى سبب بقائها ، أو منزّه بحلها ، وليس للإنسان في هذا المقام قدم إلّا أن يلمح برق من جانب القدم أضاء به إرجاع سرّه وينطفئ سريعا ، وهو الذي اصطفاه اللّه لنفسه ، والشيخ العالم العارف أبو عبد اللّه الأنصاري - رحمه اللّه تعالى - قال في وصفه :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد
وأكثر كلام هذه الطائفة عمّا حكوه عن نعت القدم كان في هذا الوقت ؛ كقوله :
فمن طال ، أو من قال ، أو صال إنما * يمت بإمدادي له برقيقة
وأمثاله ، وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ لزم تقصير أذياله .
فلنرجع إلى المقصود من الشرح الموعود للقصيدة التي مطلعها قوله :
سقتني حميّا الحبّ راحة مقلتي * وكأسي محيّا من عن الحسن جلّت
( الحميا ) سورة الشراب ، و ( المحيا ) : الوجه .
وجلّ الشيء : عظم وجلّ عن كذا ، تعالى عنه ، والتاء في جلّت علامة تأنيث الضمير العائد على ( من ) الموصوفة ؛ لأن ( من ) يقع على المذكّر والمؤنّث سواء ، كما يقع على الواحد والاثنين والجماعة .
وإضافة الحميا إلى الحب تتضمن معنى ( من ) [ 38 / ق ] .
وإضافة الراحة إلى المقلة تتضمن معنى اللّام .
والواو للحال ، تقديره : سقتني المحبوبة التي هي راحة لعيني سورة الشراب من جنس الحبّ .
والحال أن كأسي التي شربت منها وجه محبوبة تعالت عن وصف الحسن ، ولما كان الحبّ أصلا يتفرّع عليه سائر الأحوال السنيّة وظهوره مستندا إلى شهود الجمال المطلق بإشهاد الذات العليّة .