الثاني : إخلاص في الأفعال أي المباحاة بأن يخلص وجه طلب رضى الحقّ في ما يفعله عن وجه طلب حظّه في الدنيا من حبر نفع أو دفع ضرّ ، فلا يفعله إلّا لوجه اللّه ، ودلّ عليه قوله : ( وحظي من الأفعال في كلّ فعلة ) أي : وألغيت حظي منها .
الثالث : إخلاص في الأعمال أي العبادات الشرعيّة بأن يخلص في كل عمل وجه طلب رضى الحقّ عن وجه طلب حظّه ، وتربّص حسن ثوابه في الآخرة ، ويدلّ عليه قوله : ( ولحظي على الأعمال حسن ثوابها ) .
الرابع : إخلاص في الأحوال ، أي : الإلمامات القلبية والواردات ، وقوله :
بمرآة قولي ، إن عزمت أريكة * فأصغ لما ألقي بسمع بصيرة
أرجى المسترشد ، وأطمعه في مشاهدة الباب المذكور ، ووعد له إرائة بواسطة مرآة قوله ، وعلقها بشرط صحة عزمه في الطلب فأمره بأن يصغي إلى ما يلقى إليه عقيب هذا البيت من تفصيل منازل الإخلاص إصغاء بسمع بصره ، وهو قوله :
لفظت من الأقوال لفظي عبرة * وحظّي من الأفعال في كلّ فعلة
ولحظي على الأعمال حسن ثوابها * وحفظي للأحوال من شرّ ريبة
ووعظي بصدق العزم إلفاء مخلص * ولفظي اعتبار اللّفظ في كلّ قسمة
[ 213 / ق ] ( العبرة ) : الاعتبار ، و ( الفعلة ) مرة من الفعل ، والواو في ( ولفظي ) للحال .
اعلم أنّ كل ما يظهر من العبد قولا كان أو فعلا ، عملا كان أو حالا له وجه إلى الحق ، ووجه إلى الخلق ، فمن أخلص وجه الحق فيه عن وجه الخلق يسمى مخلصا ، وفعله إخلاصا ، وينقسم إلى : الغيبية ، بأن يخلص من كل حال وجه نظر الحقّ عليه عن وجه نظر الخلق ، ولا يبالي بنظرهم أصلا لعدم مبالاته بوجودهم ، فلا يلتفت إلى حفظه من شين الرّتب على نظرهم ، كما لا يلتفت إلى ريبه عليه لأن الاعتناء بحفظه عن شين الرّيب مشعر بتقيّد الاعتبار بنظرهم ، وإن كان أول ريبة في الإخلاص مخصوصة بالملأ الذين يبالغون في كتم الأحوال لتمهيد قاعدة إخلاصهم ، وأمّا إخلاص الإخلاص ، فهو أن يخلص وجه فعل اللّه في إخلاصه عن وجه فعله فلا يرى الإخلاص فعله بل [ 214 / ق ] يراه محض فعل اللّه .