( الحنايا ) جمع حنية ، وهي ما ينحني من الأضلاع ، والمراد قوى النفس التي هي بين جنبي الإنسان لوجود الاعوجاج فيها أمرنا وباطنه بإقامتها ؛ لأن الخشية المعوجة يفيد في إقامتها العرض على النار ، وقوله :
ويا حسن صبري ، في رضى من أحبّها * تجمّل ، وكن للدّهر بي غير مشمّت
ويا جلدي في جنب طاعة حبّها * تحمّل ، عداك ، الكلّ ، كلّ عظيمة
( تجمّل ) أي : كن جميلا ، والضمير الجميل أن لا ينتظر فيه صاحبه فرجا ، و ( المشمّت ) من يحمل العدو الشماتة ، وهي السرور بسوء الحال ممّن عاداه ، و ( الجلد ) هو الجلادة ، و ( الكلّ ) : الكلال ، وقوله : ( عداك الكل ) أي : جاوزه الكلال جملة معترضة بين الفعل ومفعوله بمعنى الدعاء من حسن صبره بالتحمّل لدفع شماتة الدهر ، أي : أهله بعجزة ، وقوله :
ويا جسدي المضنى تسلّ عن الشّفاء * ويا كبدي من لي بأن تتفتّتي
( من ) استفهامية ، و ( أن ) مصدرية ، وأصل ( تتفتّتي ) تتفتتين مضارع خطاب المؤنث سقطت [ 173 / ق ] نونه ، أي : ويا جسدي المهزول من ألم المحبة تفرغ عن طلب الشفاء ، ويا كبدي من يضمن لي بتفتيتك ، ومعنى هذا البيت يشير إلى مقتضى الصبر الجميل ، وقوله :
ويا سقمي لا تبق لي رمقا فقد * أبيت لبقيا العزّ ، ذلّ البقيّة
( الرّمق ) : بقية الروح ، و ( البقاء ) بمعنى الإبقاء ، أي : وسقام حبّي لا تذر لي بقية روحي ، وأذهب بها لأني دافع عني ذلّ بقية الوجود لأجل إبقائي على العزّ ، وذلك لأني العبد إذ أفنى عن وجوده بقي بوجود الحقّ لقدمه ، وبقائه أولا وآخرا ، وقوله :
ويا صحّتي ، ما كان من صحبتي انقضى * ووصلك في الأحياء ميتا كهجرة
( ما ) موصولة ، و ( كان ) صلة والواو في ( ووصلك ) للحال ، و ( ميتا ) مفعول الأحياء ، أي : ويا صحة بدني قد انقضى الذي وقع بيننا من الصّحبة ، والحال أن وصلك في إحياء أموات الطبيعة كالهجرة علل مفارقة الصحة بهذا الوصف فيها لأنها تستلزم بقاء الجسم ، والحياة الباقية معدومة ببقائه ، فوصلها كهجرتها في عدم إفادة الإحياء الحقيقي ، وقوله :
ويا كلّ ما أبقى الضّنى منّي ارتحل * فما لك مأوى في عظام رميمة