له من التطفّل على الغير في مواهبه ، وأرجو من اللّه الكريم أن يبارك لي فيه وينفع به جميع مطالعه ، وأتوقع ممن تعيّر الطرف لمطالعته أن تلقى إليه السمع وهو شهيد لا يثبطه عن ذلك ما جبل عليه الإنسان من نيّة الأكابر على الأصاغر وأئمّة السادة من العبد ، فكم من خبايا في الزوايا ، وقدمت قبل الشروع في المطلوب فصولا جعلتها لما ينبّه عليه أصولا ، وهي عشرة أوردتها في قسمين :
القسم الأول في المعارف
وهي [ 8 / ق ] خمسة فصول :
الفصل الأول في معرفة الذات والصفات والأسماء والأفعال
المعرفة أخصّ من العلم ، لأنها تطلق على معنيين ، كلّ منهما نوع من العلم .
أحدهما : العلم بأمر باطن يستدلّ عليه بأثر ظاهر ، كما لو ترسّمت شخصا فعلمت باطن أمره بعلامة ظاهرة منه ومن ذلك ما خوطب به رسول الثقلين - عليه أفضل الصلاة والسلام - في قوله :
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
[ محمّد : الآية 30 ] ، رثا بينهما العلم بمشهود سبق به عهد ، كما لو رأيت شخصا رأيته قبل ذلك بمدّة ، فعلمت أنه ذاك المعهود ، فقلت : عرفته بعد كذا سنة عهدته ، فالمعروف على الأوّل غائب ، وعلى الثاني شاهد ؛ ليس التفاوت البعيد بين عارف وعارف إلّا بعد التفاوت بين المعرّفين ، فمن العارفين من ليس له طريق إلى معرفة اللّه تعالى إلا الاستدلال بفعله على صفته ، وبصفته على اسمه ، وباسمه على ذاته
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ فصّلت : الآية 44 ] ، ومنهم من تحمله العناية الأزليّة فتطرقه إلى حريم الشهود ، فيشهد المعروف تعالى جدّه بعد المشاهدة السابقة في معهد
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : الآية 172 ] ، ويعرف به أسماؤه وصفاته عكس ما يعرفه العارف « 1 » الأول ،
هامش
( 1 ) المعرفة : هي صفة الولي الذي عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ، ثم صدق اللّه تعالى في معاملاته ، ثم تنقّى عن أخلاقه الرديئة وآفاته ، ثم طال وقوفه ، ودام اعتكافه ومناجاته في السرّ مع اللّه تعالى ، حتى صار محدّثا من قبل الحق بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره ، فيسمى عندئذ عارفا .