بصيرته في عين الجمع والإطلاق ، ومن اتّخذته عدوّا مبينّا أوقفته على أفنية أستارها ، ولم تطرقه إلى حريم أسرارها ، فهو يرى كل صفة ظاهرة في مظهر من عين ذاك الظهور ، ويضلّ في مضلّات التفرقة ولا يهتدي إلى عين الجمع ، ولا يعرف أن حسن الصورة والسّيرة بكل ملاحة في الخلق لباس تستر به وجه الجمال المطلق ، فلذلك نهى الناظم - رحمه اللّه - عن الافتتان بالحسن ، وإعجاب المرء بنفسه ، والوقوف على ( لبس ) مضاف إلى ( غرة ) ، وجهل وأمر بمفارقة ضلال التفرقة ، وملازمة الجمع لأنه ينتج هدى طائفة تحدّوا بالاتّحاد ، أي : تعرّضوا للمبارزة والمغالبة به ، ثم فصل ما أجمل بقوله :
وصرّح بإطلاق الجمال ولا تقل * بتقييده ميلا لزخرف زينة
فكلّ مليح حسنه من جمالها * معار له ، أو حسن كلّ مليحة
( التصريح ) بالشيء : إظهاره ، والقول بالشيء الذهاب إليه ، يقال : هو ( قائل ) بكذا ، أي : ذاهب إليه ، ( ميلا لزخرف ) أي : إليه ، والزخرف : الزينة المموّهة ، والفاء لتعليل ما قبلها من مضمون الجملتين بما بعدها من الحكم بأن كل حسن معار من جمال المحبوبة ، و ( أو ) بمعنى الواو ؛
أَوْ كَصَيِّبٍ
[ البقرة : الآية 19 ] ، وفي بعض النسخ ( بل ) بدل ( أو ) ، فمعناه : الإضراب عن مفهوم الجملة المتقدمة لا منطوقها ، أي : لا يختصّ حسن المليح بالحكم المذكور ، بل حسن كل مليحة كذلك ، أي :
وأظهر القول بإطلاق الجمال ، ولا تذهب إلى تقييده لأجل ميلك إلى زينة مموّهة مزخرفة هي حسن الصورة ؛ لأن كل مليح ومليحة معار لصاحبه من مطلق جمال الذات الأزليّة الذي لا يفارقها أبدا ، وكل معار يرد إلى معيّره ، كما قيل [ 143 / ق ] :
( وكل عارية لا بدّ مردود ) ، ثم قال تأكيدا لما سبق :
بها قيس لبنى هام ، بل كل عاشق * كمجنون ليلى ، أو كثير عزّة
فكلّ صبا منهم إلى وصف لبسها * بصورة حسن ، ولاح في كلّ صورة
وما ذاك إلّا أن بدت بمظاهر * فظنّوا سواها وهي فيهم تجلّت
بدت باحتجاب ، واختفت بمظاهر * على صبّغ التّلوين في كلّ برزة
( قيس ) و ( مجنون ) و ( كثير ) أسامي عشّاق معروفة كل منهم مضاف إلى ( معشوق ) ، و ( ذاك ) إشارة إلى وصف ( لبسها ) ، و ( الصبغ ) جمع صبغة وهي نوع من الصّبغ ، وأراد ( بصورة ) حسن ظاهر ، معناه : ( وبحسن الصورة ما ظهر في الصورة