الكلام في معالجة دقائق التصوف دون إهمال المادة الفقهية والأصولية في التأصيل الشرعي للعلوم القلبية ، سعيا منهما إلى إحياء علوم الدين بروح الدين ، وهو الإخلاص . ناهيك عن وصفهما الرائع والعميق للنفس الأمارة بالسوء ، والنفاذ إلى أغوارها بحثا عن مكامن الداء فيها . ولا جرم أن هذا الاشتراك بين الرجلين يوحي بتأثر اللاحق بالسابق .
ويعتبر ابن ميمون أن العجب والرياء هما أصل الأمراض القلبية ، وأمّ الأخلاق الشيطانية ، وكذلك الغزالي ، فقد اعتبرهما « آفة عظيمة » « 1 » ، وأنهما « الداء العضال » « 2 » ، وهما « جهل محض » « 3 » ، و « من أمهات خبائث القلوب » « 4 » ، واعتبر الرياء « أقوى الأسباب المشوشة للإخلاص » « 5 » ، وقال : « والعجب أعظم من كل ذنب » « 6 » ، وبعد أن نقل حديثا نبويا في ذم العجب علق عليه بقوله : « فجعل العجب أكبر الذنوب » « 7 » .
وهذه المعاني حاضرة بوضوح في كتب ورسائل ابن ميمون .
ويرى ابن ميمون أن حب الدنيا من فروع شجرة العجب « 8 » ، وهو مقارب لما قاله الغزالي من أن العجب ذو « مغرس واحد ، هو حب الدنيا » « 9 » .
وفرق ابن ميمون مرارا وكرارا في رسائله بين نار جهنم ونار البعد والجفاء عن اللّه ، وأن الثانية سبب للأولى وأدهى وأمر منها ، ويفرق بين نعيم الآخرة ونعيم معرفة اللّه ، وأن الثانية سبب للأولى وأفضل منها « 10 » . وهذا هو عين مذهب الغزالي « 11 » .
ومن مظاهر تأثر ابن ميمون بالغزالي تشابه المعجم الصوفي المتداول في كتبهما ، ولبيان ذلك نذكر بعض الأمثلة :
هامش
( 1 ) منهاج العابدين : 177 .
( 2 ) بداية الهداية : 72 .
( 3 ) المصدر السابق : 73 ، وأيضا كتاب الأربعين في أصول الدين : 98 .
( 4 ) بداية الهداية : 76 .
( 5 ) منهاج العابدين : 161 .
( 6 ) الإحياء : كتاب ذم الغرور : 3 / 435 .
( 7 ) الإحياء : كتاب ذم الكبر والعجب : 3 / 390 .
( 8 ) انظر بيان غربة الإسلام : صفحة 52 .
( 9 ) بداية الهداية : 96 .
( 10 ) انظر بيان غربة الإسلام : 83 - 84 و 96 ، وانظر أيضا رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » .
( 11 ) انظر معارج القدس : 159 ، وجواهر القرآن : 71 - 72 و 80 - 83 ، وكتاب الأربعين : 155 - 157 ، ومنهاج العارفين : 68 ، والمضنون به على غير أهله : 98 ، وميزان العمل : 20 .