بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
تقديم
تصرّفت يد الدهر في مصنفات ابن ميمون إخفاء وتجديدا ، لكن أبى المسك إلا أن تنمّ نفحاته ، وأبت الشمس إلا أن تسطع مشعشعة في الأنحاء . فقد شاءت العناية الإلهية أن تخرج إلى النور مؤلفات تعتبر من أنفس مؤلفاته . فظهرت « رسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن » و « رسالة الإخوان إلى سائر البلدان » ، ثم كرّت عليها رسالة أخرى - وهي التي بين أيدينا الآن - موسومة ب « بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس » ، وهي على صغر حجمها فإن محاسنها تزهو على كبار الدواوين ، فقد قيّد فيها ابن ميمون مسائل في الوسوسة بالقدر الذي ينفع فيه التربية الروحية والطريقة المحمدية ، دون الإغراق في التحرير الفلسفي أو التفريع الفقهي اللذين رآهما من آفات عصره الذي انعدم فيه العمل أو كاد .
والجدير بالتحرير أن هذا العالم كان في عصره لدى المشارقة والمغاربة أشهر من نار على علم ، بيد أن الكثرة الغامرة في عصرنا لاحظّ لهم بمعرفته ، أو أن حظّهم بها هزيل .
يعتبر ابن ميمون من ألمع العلماء وأساطين التصوف الذين جمعوا بين علوم الشريعة وفضائل الطريقة ، واشرأبّوا في تربيتهم الروحية إلى العبّ من ينابيع الحقيقة .
لقد دأب جهده طيلة سيره التعليمي والتربوي في مزج الفقه بالتصوف ، وتخليصهما من الشوائب ليرتقيا من مرتبة التفقّه والتفقّر إلى معارج الكمال .
ولا جرم أن مسعاه ما خاب ولا كان شقيّا ، بل تخرّج من مدرسته الصوفية علماء عاملون كانوا شامة في خدّ الدهر وغرّة في جبينه ، شهدت بذلك كتبهم التي خلّفوها ، ولم تمار فيه أسفار المناقب ودواوين التراجم ، نذكر منهم ؛ على سبيل المثال لا الحصر ؛ الشيخ علوان ، ومحمد بن عراق الدمشقي .