إشارة إلى مراتب الفناء من الأفعال والصفات والذات .
واعلم أن شجرة تنبت في رياض القلوب ، وتنمو بحياض الطعام وكرم علّام الغيوب ، لما ورد في كلام القدسية « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » ، « وتحببت إليهم بالنعم حتى عرفوني » « 1 » .
فالذات الأحدية أحبّت أن يظهر كمالاتها المخزونة في عين الجمع والغيوب ، فأودعها معادن أعيان الناس ، وأوجدها في عالم الشهادة .
تحبّب إليهم بالابتلاء بالنعم والنقم ليعرفوه عند ظهور صفاته عليهم ، فيصيروا مظاهرا له في الانتهاء ، كما كانوا معادن وخزائن عند الابتداء .
فالحق حقيقة تنشأ منه وإليه تعود
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ الشورى : 53 ] .
فهو محب ومحبوب ، وطالب ومطلوب .
يقال : إن دعوى المحبة أمر سهل ، ولكن جوهر المحبة عزيز .
ومن علامات الصدق في هذا الباب أن لا يكره الموت ليتخلص من الحجاب ، فالمحب الصادق لا يكره لقاء المحبوب .
ومنها : أن يؤثر رضا اللّه تعالى على هوى نفسه .
ومنها : أي يحب ذكر اللّه ، فإن المحب يحب ذكر الحبيب ويكثره .
قيل : من أحبّ شيئا أكثر ذكره .
ومنها : أن يحب كل ما نسب إلى اللّه تعالى من كلامه ورسوله فإذا كان قويّ المحبة يحب كل مخلوق وموجود من جهة أن الكل مصنوع المحبوب الحقيقي .
ومنها : أن يحب الخلوة مع الحبيب والمناجاة له .
قال يحيى بن معاذ « 2 » : ليس بصادق من ادّعى محبته ولم يحفظ حدوده .
هامش
( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه .
( 2 ) يحيى بن معاذ : تقدمت ترجمته .