يكفيك أنّ الحقّ سمعك قد غدا * ويدا ورجلا فيك وهو عيان
والكون أجمعه لأجلك خادم * يسعى وأنت المالك السلطان
فإذا انتبهت لبست ثوب سعادة * وإذا غفلت فثوبك الخسران
ولطيفك الجنّات أنت منعم * فيها غدا وكثيفك النيران
انزع ثيابك عنك وابق بغيرها * تعرف مقامك أيّها الإنسان
أخي المسلم إن مقصود الحكمة أن تعرف قدرك بين الأكوان ، ليكون ذلك حافزا لك على إخلاصك في عبوديتك للّه تعالى ، فتحمل أمانة استخلافه لك في الأرض ، وترفع همتك عن كل ما سواه وتقبل عليه تعالى بكليتك أثناء تطبيقك للدين الحنيف .
الحكمة الثلاثون « 1 » : « الخذلان كلّ الخذلان أن تتفرّغ من الشّواغل ثمّ لا تتوجّه إليه ، وتقلّ عوائقك ثمّ لا ترحل إليه » .
شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تشير إلى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ »
( رواه الإمام البخاري ) . وبيان ذلك أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا مطالب بعبادة اللّه تعالى ومعرفته ونشر دينه ، إلا أن شواغل الدنيا الحسية ، وعلائق القلب المعنوية ، وعوائق النفس والهوى والشيطان ، وكذلك البلايا والرزايا والأمراض ، كل ذلك يحول بينه وبين طريق الآخرة .
إن احتياجات الإنسان المادية وغرائزه الحيوانية تشده إلى الجري خلف الدنيا ، ليشبع هذه الاحتياجات والغرائز ، فيملأ وقته بجمع المال ، الذي يحقق له بقاء صورته ، ويشبع شهواته ، ويرضي نفسه وهواه ، ويكون ذلك على حساب احتياجاته الروحية ، التي هي أصل وجوده ، وهذه الشواغل المادية تنمي عنده العوائق النفسية والشيطانية . لأن الانغماس في الدنيا يفسد النفس ويقسي القلب ويحجب الروح ، ويميل بالهوى .
فمن كان هذا حاله لا شك أنه سيغفل عن هدف وجوده ، ويضل عن طاعة ربه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه .
هامش
( 1 ) ورقمها ( 261 ) في النص الكامل للحكم .