أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي اللّه داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده » « 1 » .
أما معنى الحكمة في شطرها الثاني وهو : وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية .
أي : من أقامه اللّه تعالى في خدمته ، بأن تفرّغ لتعلم العلم وتعليمه ، وانقطع بذلك عن كل ما يشغل الجوارح عن طاعة اللّه تعالى ، والقلب عن الحضور مع اللّه مصدقا لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما » .
وهو في حاله هذا عنده من الرزق ما يكفيه ويكفي عياله ، أو كان يأتيه رزقه يوما بعد يوم ، ثم أراد أن يترك مقام التجريد هذا فإنه يكون بذلك ضعيف الهمة ، لأن مقام التجريد يحتاج إلى قوة كبيرة من اليقين والصبر وجهاد النفس أثناء الذكر والعبادة وتحصيل العلوم الشرعية ودعوة الخلق وإرشادهم إلى الحق ، قال تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )
[ فصّلت : 33 ] .
وقال تعالى :
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 )
[ آل عمران : 104 ] . قال الشيخ ابن عطاء اللّه في كتابه التنوير : « والذي يقتضيه الحقّ منك أن تمكث حيث أقامك حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك كما تولى إدخالك ، وجاء في شرح الحكم العطائية : « واعلم أن المتسبب والمتجرد عاملان للّه إذ كل واحد منهما حصل له صدق التوجه إلى اللّه تعالى حتى قال بعضهم : مثل المتجرد والمتسبب كعبدين للملك ، قال لأحدهما : اعمل وكل ، وقال لآخر : الزم أنت حضرتي وأنا أقوم لك بقسمتي ، ولكنّ صدق التوجه في المتجرد قد يكون أقوى لقلة عوائقه وقطع علائقه ، وقد يكون العكس هو الصحيح وذلك يختلف باختلاف الأشخاص .
الحكمة الثالثة « 2 » [ في عزلة ]
« ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري : كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده حديث رقم ( 2072 ) .
( 2 ) ورقمها ( 12 ) في النص الكامل للحكم .