المراد بمعرفة اللّه تعالى :
إن المراد بمعرفة اللّه تعالى معرفة صفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه تعالى ، ومعرفة ما يجب له من مقتضيات الكمال ، وما يستحيل عليه تعالى ، وما يجوز في حقه تعالى من فعل كل ممكن أو تركه . وليس المراد معرفة كنه وحقيقة ذاته سبحانه وتعالى .
فالإنسان الحادث أعجز من أن يعرف كنه وحقيقة نفسه وروحه ، فكيف به يطلب معرفة ذلك من ربه الأزلي الأبدي « الأول والآخر والظاهر والباطن » . قال صلى اللّه عليه وآله وسلم :
« تفكروا في خلق اللّه ولا تفكروا في اللّه »
« 1 » وروي عن الصديق الأكبر أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه قوله : « العجز عن درك الإدراك إدراك ، والبحث في ذات اللّه إشراك » .
وفي قول جامع لكل أحكام التوحيد يقول الشيخ سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه تعالى : « ذات اللّه تعالى موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا ، موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا إحاطة ولا حلول ، وتراه العيون في العقبى ظاهرا وباطنا في ملكه وقدرته ، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ، ودلّهم عليه بآياته ، والقلوب تعرفه ، والعقول لا تدركه ، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ، ولا إدراك نهاية » « 2 » .
خلاصة لما تقدم :
اتضح لنا مما تقدم أن السعادة الحقيقية هي السعادة الروحية الأبدية ، المتحققة بمعرفة اللّه تعالى ، التي هي غاية وجود الإنسان . وإن الإنسان مفطور على هذه المعرفة إلا أن الدنيا بشهواتها والشيطان بإغوائه حجبا الإنسان عنها ، فأرسل اللّه تعالى الرسل وأنزل الكتب وبعث النبي الخاتم سيدنا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم لتصحيح مسار الإنسان نحو غايته المطلقة : اللّه جلّ جلاله .
وإن أول الواجبات على المكلّف معرفة اللّه تعالى معرفة تستند إلى الحجج والبراهين العقلية ، لينتفي الظن والوهم والشك عن الإيمان ، فيطمئن القلب بجزمه القاطع المطابق للواقع ، ولا يكتفي بالتقليد الجازم إلا إذا كان غير مؤهّل للنظر في أدلة العقيدة الحقة .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء عن ابن عباس .
( 2 ) انظر كشف المحجوب لعلي الهجويري الغزنوي .