إن معرفة اللّه تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه هي عين السعادة الحقيقية الروحية في الدنيا حيث الحياة العاجلة الفانية وفي الآخرة حيث الحياة الأبدية فهي غاية خلق الخلق ، قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )
[ الذّاريات : 56 ] فسّر عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « إلا ليعبدون » ب « إلا ليعرفون » فيكون الحق تعالى عبّر عن المعرفة التي هي الغاية بالعبادة التي هي الوسيلة .
معرفة الإنسان لربه تعالى :
إن الإنسان مفطور على معرفة اللّه تعالى
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الرّوم : 30 ] ولكنه بعد نزوله إلى الدنيا وانغماسه في شهواتها بإغواء من الشيطان تشوهت هذه المعرفة ، فأرسل اللّه تعالى رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل كتبه للتذكير بتوحيد الفطرة .
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الباب الثالث من كتابه ( اليواقيت والجواهر ) : « ورد مرفوعا أن اللّه تعالى خلق العباد على معرفته فاختالهم الشيطان عنها ، فما بعثت الرسل إلا للتذكير بتوحيد الفطرة وتطهيره عن تسويلات الشيطان بالاستدلالات النظرية والدلائل العقلية وبها توجهت التكاليف على العقلاء » . ويقول في موضع آخر : « المعرفة ضرورة فالناس كلهم يشيرون إلى الصانع جلّ وعلا وإن اختلفت طرائقهم وعللهم ولا يجهلون سوى كنه الذات ، ولذلك لم يأت الأنبياء والرسل ليعلمونا بوجود الصانع ، وإنّما أتونا ليدعونا إلى التوحيد » . قال تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمّد : 19 ] . والخلق إنما أشركوا بعد الاعتراف بالموجود لما اعتقدوه من الشركاء للّه تعالى أو لنفي واجب من صفاته أو لإثبات مستحيل منها أو لإنكارهم النبوات » .
معرفة اللّه تعالى أول الواجبات على المسلم المكلّف :
إنّ الشريعة الإسلامية جعلت معرفة اللّه تعالى أول واجب على كل مكلّف ، قال تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمّد : 19 ] .
قال الإمام السيوطي في كتابه ( الإكليل في استنباط التنزيل ) : « قد استدل بالآية من قال بأن أول الواجبات معرفة اللّه تعالى » .
وقال الإمام الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه ( الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف أصحاب الحديث ) بعد سرده لهذه الآية