خلقا ولا أنزل كتابا » 6 . قلت هذان الحديثان يطول فيهما نظر الناظر ولا يستوفي العارف بحار المعرفة التي أفاضها اللّه تعالى عليهما وإن عمّر عمر نوح .
ويطلق ويراد به الملائكة المسخّرة الذين هم عماد السماوات والأرض ،
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
7 ، سخّرهم اللّه عزّ وجلّ للإنسان في جميع مصالحه دنيا وبرزخا وآخرة .
ويطلق ويراد به الأرواح المدبّرة لأجسامنا التي قضى اللّه عليها الموت وسخّر بعضها لبعض 8 . فالأرواح المهيّمة حائرة والأرواح المسخّرة ذاكرة والأرواح المدبّرة ناهية وآمرة .
ويطلق ويراد به الروح الذي ينفخ منه عند كمال تسوية الخلق ، وهو الروح الذي سئل عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فلم يجب عنه حتى نزل عليه قوله تعالى :
« وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
9 . وقيل :
« هو ملك عظيم يقوم وحده يوم القيامة صفّا والملائكة صفا » 10 . واعلم أنّ حرف ( من ) 11 هنا لتبيين الجنس لا للتبعيض ، يبّين به أنّ الذي يصلح للمكلّف أن يطّلع عليه من حقيقة هذا الروح هو أن يعلم أنّ هناك شيئا من عالم الأمر لا من عالم الخلق ، وعالم الأمر هو كلّ ما صدر عن اللّه تعالى بغير واسطة إلّا بمشافهة الأمر الرّباني الوحداني ، وهو السبب الثاني بالإضافة إلى الوجود المطلق ، والسبب الأوّل بالإضافة إلى الوجود المقيّد ، فهو أوّل في المبدعات . وعالم الخلق هو كلّ ما صدر عنه تعالى عند سبب متقدّم من غير مشافهة الأمر العزيز . قال اللّه تعالى :
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
12 . و ( لام ) له ، هنا بمعنى منه ، وليست للملك بل بمعنى الصفة ، كما يقال : له خيل وجمال ودار وعقار ، ومقام له دون مقام ، فافهم وما فهمك إلّا باللّه .
ونسبة هذا الروح إلى البدن كنسبة الملك إلى دار مملكته ، فهو الحكم والآمر والناهي ، والقلب كالمنزل الخاصّ له ، والأعضاء الحواسّ الظاهرة والباطنة كالخدّام له ، ينهضون عند إشارته ويسكنون عند سكونه ، والعقل كالوزير له