وقد يتّفق لبعض الواصلين أن يردّ من هذا المقام إلى الخلق رحمة من اللّه سبحانه بهم ليوصل إليهم هذه الرحمة الإلهية فيكون تنزّله إلى الخلق باللّه لا بنفسه ، ويتصرّف في العالم بأمر اللّه ، ويجري الحقّ تعالى على يديه من خوارق العادات وضروب الإفادات ما يشهد له أن سائر تصرّفاته عن أمر اللّه تعالى لا عن نفسه ، إذ لا يرى نفسه ولا يلاحظها إلا من حيث هي ملاحظة لربّه . ومن شرط هذا العارف الوليّ أن يكون محفوظا مما يخالف الشرع ، كما أن من شرط النبيّ أن يكون معصوما ، فهذا وأمثاله بهم يرحم اللّه تعالى الخلق . قال عليه السلام : « بهم تمطرون وبهم ترحمون » « 1 » . فرحمة اللّه تعالى لعباده بعث الأنبياء عليهم السلام لهم ليبلغوهم إلى معرفة اللّه تعالى الموصلة إلى الرحمة الكبرى . ولهذا قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] . فمن كان أكثر أخذا لما جاءت به الأنبياء عليهم السلام كان أوفر نصيبا من هذه الرحمة الإلهية المبثوثة في العالم بواسطتهم . والكامل في الوراثة النبوية هو القطب والغوث وهو خليفة اللّه تعالى في هذا العالم . وهذه الرتبة كما قلنا آخر رتب الإنسانية وأول رتب الملائكة ، إذ حاصلها الخلود في جوار اللّه تعالى والقرب منه ، إذ القرب من اللّه تعالى بالصفات لا بالأجسام ، تعالى قدسه عن ذلك .
إشارة : وإذا كانت محبة اللّه تعالى ومعرفته لا يوصل إليها في الحقيقة بشيء سواه فهو العارف والمعروف ،
وهو المحب والمحبوب ، وهو الكلّ ، فكلّ وجود حقيقيّ وجوده ، وكل شهود شهوده : [ من الكامل ]
غابت رسوم شواهدي * لمّا رأيت خيامهم
وفنيت عن بشريّتي * لمّا سمعت كلامهم
وعدمت رسم حقيقتي * لمّا شربت مدامهم
حكي أن طارقا طرق باب أبي يزيد البسطامي رحمه اللّه فقال : ههنا أبو يزيد ؟ فصاح به أبو يزيد : يا هذا ، أبو يزيد : يطلب أبا يزيد فما رآه . وهذا من قوله
هامش
( 1 ) أورد تخريجه السيوطي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى :وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ . . .[ البقرة : الآية 250 ] ، ( 1 / 766 ) والأزدي في الجامع ، باب الشام ، حديث رقم ( 20457 ) ( 11 / 250 ) ، وأورده غيرهما .