الباب التاسع في ذكر العشق على الإجمال وما يتصل بذلك من الأحوال
اعلم أن العشق هو أقصى درجات المحبة ومجاوزة الحد فيها
، وسائر مقامات المحبة كلها مندرجة فيه مثل الشوق والوجد والغرام والافتتان والدهش والفناء ، لأنّه مشتمل على جميعها ، ولذلك قالوا : « كل عاشق محبّ وليس كل محبّ عاشقا » . وأيضا فقد تطلق المحبة في عرف اللغة على الإرادة فيقال : أحبّ أن يفعل كذا ، كما يقال : أريد أن يفعل كذا ، ولا يستعمل العشق ههنا مكان الإرادة كما استعملت المحبة .
وأما حدّ هذا المقام فقد عجز الناس عن حدّه كما عجزوا عن حد المحبة التي هي بعضه وموصلة إليه . ولهذا لما سئل بعض الحكماء عن حقيقة العشق قال : « دقّ عن الأفهام مسلكه ، وخفي عن الإدراك موقعه ، وحارت العقول في كيفية تمكّنه » .
وقال بعض العلماء : « حد العشق امتزاج ظلّ الجمال بملكوتية الأوصال » ، وقال غيره : « العشق شدة الشوق إلى الاتحاد » .
ولا شك أن معناه اتحاد ذات المحبوب بذات المحب اتحادا عقليّا يوجب غفلة المحبّ عن الشعور بجملته شغلا عنها بشهود محبوبه في ذاته بذاته . وقال بعض المتقدمين : « العشق جنون إلهيّ » . يعني أن العشق لا يدبّر بعقل ولا تجري فيه أمور العاشق على ما يوجب صلاح بدنه بل خرابه وتشويهه :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
[ النّمل : الآية 34 ] . لأن شهود الصفات الروحانية كلما قوي على المحب تخربت منه الصورة الجسمانية ، وتشوّشت الجملة الآدمية ، وبقدر الغيبة في المشاهدة والفناء فيها يكون بقدر الإعراض عن مصالح البدن .