الحزن وتفرّح القلب وتبسط الأمل وتسلي الهموم للمناسبة التي بين النفس وبين الاعتدال والصفاء والنور ومضادّة طبعها للظلمة والكدرة . فأما تأثير الألحان والأنغام الموزونة فيعظم وقوعه في النفوس حتى إنّه يتعدّى إلى أرواح الحيوان غير الناطق ، فإنّا نجد الجمل على غلظ طباعه يحمل الأثقال العظيمة فإذا سمع صوت الحداة قطع المسافة الطويلة في الزمن القصير ، وكذلك الطيور تطرب لحسن النغم ؛ والطفل الرضيع يسكن ضجره عند التلحين ويهدأ كربه وينام .
ويكفي في ذلك ما يحكى عن الآلة المسمّاة بالأرغن وتأثيرها في النفوس من الأخلاق المختلفة . فميل النفوس إلى هذه الأمور المناسبة لها أمر طبيعيّ فيها لا ينكر ومحبتها لها إنما هي لذاتها لكونها مظهرا للجمال ، فإن قارنت هذه اللذة لذة أخرى مثل مقارنة لذة النظر إلى الصور الجميلة الآدمية شهوة النكاح ، فإن تلك الشهوة عن باعث آخر من الطبع الحيواني ، إذ شهوة النكاح مغايرة للذة الإدراك النفساني ، والباعث على هذه غير الباعث على تلك ، فإن النفوس لما كانت ثلاثة أجناس : نباتية وحيوانية وإنسانية ، فلذة النباتية في المطعم والمشرب ، ولذة الحيوانية في المنكح وفي موجبات الغضب من التشفّي والانتقام والرياسة ، ولذة النفس الإلهية في تحصيل المعارف الربّانية والانتعاش بالعلوم الدينية والقرب من الحقّ تعالى ومحبّته . فالإنسان على هذا يجانس النبات بالنفس النباتية والحيوان بالنفس الحيوانية والملائكة بالنفس الإلهية .
ولما كانت هذه القوى الثلاث في الإنسان متغايرة كانت لذاتها أيضا متغايرة على ما قلناه . ومما يدلّ على اختلاف البواعث على هذه اللذات أنّا نجد الحمار مثلا إنما ينكح لدفع الفضلة المجتمعة فيه لا لأجل حسن صورة المنكوح عنده ، فإن البهيمة لا تفرق في نكاحها بين الصورة الحسنة والقبيحة ، وكثير من الناس لا ينكح إلا لتحصيل الولد وآخرون لمحض اللذّة لا غير ، وهو الأكثر ، والعارف ليتخذ هذه اللذة سلّما لفهم اللذات الأخروية للمناسبة الروحانية التي بينهما حتى يفهم تلك اللذة من ذاته ، وبهذا القصد تخرج هذه اللذة عن صورتها الظاهرة وتصير من الكمالات ، وقد يوجد في الناس من يفقد شهوة الجماع البتة ولا يفقد شهوة النظر إلى الصورة الجميلة وبالضدّ كالبهائم . فدلّ على تغاير الشهوتين .
وأيضا فإن الذي يلتذّ بالنظر إلى الأزهار الأنيقة والرياض الأريضة والمياه الصافية والنقوش المزخرفة لا يحبّ نفسها ولا يحبّها إلّا لمجرّد لذة النفس بالنظر إليها لا
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي ) — صفحة 41
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٤١