فعلى هذا الحمى تسكب العبرات ، وتتصاعد الزفرات ، وإليه تحنّ النفوس القدسية ، والأرواح اللطيفة الربانية ، حنين الغريب إلى أوطانه ، والمحب إلى ألّافه وأخدانه : [ من الطويل ]
تمرّ الصبا صفحا بساكن ذي الغضا * ويصدع قلبي حين هبّت هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما * هوى كل نفس حيث حلّ حبيبها
فالعاشق يحنّ إلى هذا الموطن الجليل ، وينجذب جملة إلى ظلّه الظليل ، ونسيمه العليل ، وورود منهله السلسبيل ، فلا يشيم البرق إلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع ، ويخبر عن سرّ جماله البديع ، فلهذا كان لمعان البروق ، يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق : [ من الطويل ]
رأى البرق مجتازا فبات بلا لبّ * وأصباه من ذكر المليحة ما يصبي
وقد عاج في إطلالها غير ممسك * لدمع ولا مصغ إلى عذل الركب
وكنت جديرا حين أعرف منزلا * لآل سليمى أن يعنّفني صحبي
عدتنا عوادي البعد عنها وزادنا * بها كلفا أن الوداع على عتب
وبي ظمأ لا يعرف الماء دفعه * إلى نهلة من ريقها الخصر العذب « 1 »
[ الوجد ]
فصل : وأما مقام الوجد فمعناه وجود ذات المحبوب وسائر صفاته الحقيقية منطبعة في ذات المحبّ انطباعا ثابتا بحيث لا يمكن زواله ، ولا يتصوّر انفصاله ، وإذا بلغ المحبّ إلى هذا الحدّ فقد ذهب عنه الكسب والاختيار ، واستوى في حقه الإعلان والإسرار ، ودخل في أودية المحبة ، وسكر من صفو مدامها سكرا دوامه بدوامها إلى أن صار السكر يهيم به في كل واد ، ويسلك به في الأغوار والأنجاد ، لا يقرّ قراره ، ولا يطمئنّ به داره : [ من الكامل ]
خذ نصح قولي في المحبة أو دع * إن لم تمت وجدا فإنّك مدّعي
ليس الغرام نحول جسمك دائما * كلّا ولا طول البكا بالأدمع
الحبّ ما أفناك منه قليله * فذهلت حتى لا تجيب ولا تعي
هامش
( 1 ) هذه الأبيات هي للشاعر العباسي الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي أبو عبادة البحتري ( المولود سنة 206 ه - والمتوفّى سنة 284 ه ) من قصيدة له بلغت 34 بيتا .