الظاهر الذي لا يكشفه ظهوره ، وسبب كون ظهوره لا يكشفه لهم استبعادهم أن يكون ذلك كذلك ، وإن كان أشهى ما إليهم أن يروا بارقة من كشفه ، ومثل هذا الاستبعاد ما نقل عن بعضهم : أنه كان شديد الشوق إلى مكة شرفها اللّه تعالى ، فاتفق أنه وصل إليها ، فقيل له هذه مكة ، فاستبعد ذلك لطول مدة شوقه إليها وهو بالبعد عنها فقال شعرا :
أبطحاء مكة هذا الذي * أراه عيانا وهذا أنا « 1 »
كاد أن يشك في نفسه أنه هو لاستبعاد أن يكون هو ممن يصل إلى مكة .
وأما من كشف له فإنه وإن كان ممن يستبعد ، لكن العيان الحقيقي شاهد لنفسه ، ولو ارتاع أول شهوده ، وأتاه اللّه فيه من حيث لم يحتسب فيكاد يقوله من سطوة الظهور فإنه يعود فيصحو .
ولبعض المتأخرين :
قد كان يسكرني مزاج شرابه * فاليوم يصحبني لديه صرفه
ويغيب رشدي عند أول نظرة * واليوم أستجليه ثم أزفه « 2 »
وقد ورد في أخبار بعض السلف من أهل هذا الشأن أن بعض أهل الحجاب سأم ؛ فقال : أين اللّه ، فقال له : أسحقك اللّه ، أتطلب مع العين أين ، والمراد بالعين العيان الظاهر ، إلا أن المحجوب لا يدري .
قوله : ( وأنا الباطن الذي لا ترجع البواطن بدرك من علمه ) .
قلت : معناه أن وجوده محيط بذاته ما ظهر غيره ولا بطن سواه ، وذلك هو البعد ، ولما كان ذلك دأب الأولين والآخرين غير أهل اللّه تعالى ، لم تصل بواطنهم إليه أصلا ، ولن يصلوا أبدا ما داموا هكذا ، ولما طلبه أهل العقول من الفلاسفة والمتكلمين توغلوا في أفكارهم فما رجعوا بطائل ، ونهاية أحدهم أن يقول :
تحققت العجز عن إدراك المطلوب ، ويجزم بعضهم أن لا وصول إلا أن يعلم أن
هامش
( 1 ) هذا البيت من البحر المتقارب وتفعيلته :فعولن فعولن فعولن فعولنوهو للعارف باللّه تعالى الشيخ دلف بن جحدر الشبلي المكنّى بأبي بكر والمتوفّى سنة 334 ه .
( 2 ) لم أعثر على قائل هذين البيتين .