وأما علامة واجد هذا العرفان فهو في المثال بمنزلة من شهد أن المقصود من العبادة هو جمع القلب على الحق تعالى ، فهو يلاحظ هذا المعنى ، فأين من وجد وجها في المسألة يشير إلى ما يجمع على الحق تعالى علم أنه الحكم المراد للشارع عليه وسلم فيدع ما سواه من الوجوه المحتملة ، وصاحب هذا المقام هو الذي يظفر بالحكم ويثبت في العلم .
قوله : ( وقال لي : من لم يغترف العلم من عين العلم لم يعلم الحقيقة ، ولم يكن لما علمه حكم ، فحلت علومه في قوله لا في قلبه ، كذلك تحل فيمن علم ) .
قلت : ما يشرح هذا التنزل بأوضح من لفظه .
قوله : ( وقال لي : إذا ثبت فانطق فهو فرضك ) .
قلت : معناه لا ينطق حتى يثبت لك العلم على النحو الذي أشرنا إليه فإذا ثبت فيه فرض عليك إذ ذاك الفتيا .
قوله : ( وقال لي : كل معنوية ممعناة إنما معنيت لتعرف ، وكل ماهية ممهاة إنما أمهيت لتخترع ) .
قلت : هذا التنزل في قوته الإعلام بأن موجودات الحق تعالى التي توجه إليها الإيجاد لا تتناهى ؛ وذلك لأن المعنويات هي معاني الممكنات ، ومثالها الكليات مثل المقولات العشر وما في تفاصيلها ، وهي معنويات تتعرف فيما تحتها وفيما يقال عليه ، وكل ممكن له ماهية . وقد ذكر أن كل ماهية فإنما أمهيت لتخترع ، فإذن كل ممكن لا بد أن يخترع وهذا يشهد للغزالي رحمه اللّه في نصره قوله : « ليس في الإمكان أبدع من العالم » ولست أقول من هذا العالم فإني أرى في شهودي أن الفلك التاسع بما حواه شخص نوع واحد من أنواع لا تتناهى .
قوله : ( وقال لي : كل محلول فيه وعاء ، وإنما حل فيه لخلو جوفه ، وكل خال موعى وإنما خلا لعجزه وإنما أوعى لفقره ) .
قلت : هذا التنزل فيه علوم جمة ، والتعرض لذكرها يفتح باب الكلام فيما يضيق به العمر ويستنفذ الزمان وهو لا يفرغ والمعجز عن استيعابه يقتصر على
شرح مواقف النفري — صفحة 123
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص١٢٣