قوله : ولا يعارضا بتشديد غال إذا حملنا اللّفظ على ظاهره ، ويجوز أن يريد بذلك أن لا يتعرّض أهل التّعظيم إلى التّشديد على أنفسهم ، بحيث يفرطون في ذلك ، فإنّ اللّه تعالى أعظم رحمة من أن يكلّفهم ما يكون عليهم فيه مشقّة مفرطة ، والغالي هو المفرط ، وقد نهى اللّه تعالى عن الغلوّ في الدّين فقال :
لا / تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ
« 2 » ، فسمّى الإفراط غير الحقّ ، وهذا المعنى الأخير أنسب لتطابق الكلام ، فإنّه قابل الترخّص بالغلوّ ، كما قابل الإفراط بالتّفريط .
قوله : ولا يحملا على علّة توهن الانقياد ، أي لا يتأوّل في الأمر والنّهي تأويلا يفتّر النّفس عن الانقياد ، مثل ما تأوّل في تحريم الخمر بعض المفسّرين على أنفسهم ، حتّى أوهن الانقياد إلى النّهي عنها ، فارتكب المحظور ، وهو القائل :
أدرها فما التّحريم فيها لذاتها * ولكن لأسباب تضمّنها السّكر
إذا لم يكن سكر يضلّ عن الهدى * فسيّان ماء في الزّجاجة أم خمر
فهذا القائل لمّا تأوّل في النّهي هذا التأويل ضعف انقياده ، وكذلك لو تأوّل متأوّل الأمر بالوضوء ، فقال : إنّ المقصود منه الوضاءة ، وهي النّظافة ، فظنّ أنّ أعضاءه إذا كانت نظيفة أغناه ذلك عن الوضوء ، فصلّى محدثا اعتمادا على هذا التأويل ، لم تصحّ صلاته ، وكان ضعف انقياده للأمر لأنّه حمله على علّة توهن الانقياد إليه ، ولذلك نهى المشايخ عن طلب علل التّكاليف ، وقد ورد في بعض التنزّلات : يا عبدي إذا أمرتك بأمر فامض لما أمرتك به ، ولا تنتظر به علمه ، إنّك إن تنتظر بأمري علم أمري تعص أمري « 3 » .
قوله : توهن الانقياد ، أي تضعفه ، فإنّ الوهن هو الضعف .
هامش
( 2 ) الآية 77 سورة المائدة .
( 3 ) انظر ورقة 15 ( ب ) .