وأمّا الدّرجة الثانية ، فأن لا ينازع شهودك شهوده .
( 1 ) معناه مثل المعنى الأوّل ، وهو أنّ الشّهود الذي كنت تنسبه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعده تنسبه إلى اللّه تعالى لا إليك ، ومعنى المنازعة المشاركة ، فإنّها داعية المنازعة .
وأمّا الدّرجة الثالثة :
فأن لا يناسم رسمك سبقه .
( 2 ) يعني لا تتمازج خليقيّتك الحادثة سبقه بالقدم ، وذلك أنّ الرّسم هو الخلق وهو محدث ، والحقّ تعالى هو القديم وله السّبق ، فإذا تحقّق العبد بالحقيقة شهد الحقّ ، ولم يتنسّم معه شائبة من الخلق ، وهو معنى قولهم : وهو الآن على ما كان ، فإنّهم يقولون الحديث النبويّ ويلحقون به هذه اللّفظة ، والحديث هو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن شيء » ، فالصّوفيّة يقولون عقيب هذه الكلمة : وهو الآن على ما عليه كان ، وهو عين ما قاله الشيخ في هذا الفصل ، وهو أن لا يناسم رسمك سبقه ، أي لا ترى أنّك الآن معه ، بل هو وحده .
فتسقط الشّهادات ، وتبطل العبارات ، وتفنى الإشارات .
( 3 ) يعني إنّك إذا لم تشهد معه غيره ، فقد سقط معنى شاهد ومشهود ، فسقطت بذلك الشّهادات ، وبطل أيضا معنى معبّر ومعبّر عنه ، فتبطل أيضا بذلك العبارة ، وتفنى أيضا بذلك نسبة مشير ومشار إليه ، فتفنى بذلك أيضا الإشارة ، والفرض أنّ المحقّق لا يرى الحقّ سواه ، هذه إرادة الشيخ رحمه اللّه في هذا الفصل .
منازل السائرين ( شرح التلمساني ) — صفحة 580
مساهمون: عبد الحفيظ منصور
ص٥٨٠