الإخلاص في الإخلاص للإخلاص ويتقرب بما يكون به جليسا ؛ فإن المجالسة والمحاضرة والمشاهدة والمؤانسة والمناجاة كذلك على قدر ، إلا أنه لما قوّى سلطان الصدق جودة صمصام « 1 » الحق قواه على لمة شيطان التخليل ، وقصم عرى تقييد التخليل واستنهاء الإخلاص سيوف المعاني وخرج من مخبآت المحجوبات معاني ، وأتى لطف السر فاشتعلت وجود الوجود ونوّر الكون ، وأنبتت عرائس العجائب للآيات بقافات ، ففتحت خزائن مملوءة بالأسرار والأخبار والمكنونات ، وشعشع الجو والأفق وامتلأ وارتوى وطمى بحره وانطبق ، فمن كان من الذين حصلت لهم العناية المعنوية الأبدية والتحف الأزلية واللطف الرحماني السرياني ، والنور الكمالي ، ولما حصل لهم من مولاهم عنايته في أزل أسراره المكنونة ، قوله تعالى :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] كان لهم ذلك من قوله تعالى :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا
[ الأعراف : 172 ] .
فأولو العطاء الذين كشف لهم الغطاء فهم على الدوام في حقائق
أَ لَسْتُ
[ الأعراف : 172 ] فإن اللّه تعالى لما خلق الخلق استخرجهم من صلب الأب آدم كالذر وقيل كالشعر وقال :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] فأخذ عليهم العهد والميثاق وكتب في ورق أبيض وطرح في الحجر الأسود هذا إقرارهم ، وهم بيد القدرة ، فلما انتقلوا من القدرة إلى الحكمة اختلفوا أو تنوّعوا أجناسا مختلفة وأديانا غير مؤتلفة يهودا أو نصارى ، وغير ذلك مجوسا وصابئين وعبدة الجبت والطاغوت وغير ذلك ، فنسأل اللّه تعالى السلامة في الدنيا والآخرة ، فأولي السعادة من السبق الأول ما برحوا محفوظين والعناية فيما هم فيه لما كانت بهم العناية ، واختصاصهم السر والولاية أورثهم علما برواية وعلما بلا رواية ، فرأوا علوما مكتوبة في لوح المعاني بالإشارة وفهموا رموزها وعرفوا كنوزها وفكّوا طلسماتها وطلاسمها ، وعلموا اسمها ، وعرفوا رسمها ، فإن لهم في النقط مجال ومعرفة وعرفان وبحر مجان ، ولهم من إشارة العبارة عبارة محكمة وألسنتهم ألسن مختلفة ، كان لسانهم ما سمع في الأكوان فيه إشارة وعبارة ومعي سر الإفهام وكذلك من مواهب اللّه اللدنية وأسراره الخفية المعنوية ، ولو رأيتهم إذا دخلوا في معاني الحروف والمقطعات لا الظروف القطع والوصل والهمز والشكل والنصب والرفع ، وقرأت الورق يعني ورق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر ، وقرأت الخط الهندي ، وفهم معنى الثرى ، وأقرأت
هامش
( 1 ) صمصام : سيف لا ينثني .