فصل آخر يشتمل على وصية وموعظة وإشارات سلوك الطالب من كلام سيدي الأستاذ برهان الملة والدين سيدي إبراهيم الدسوقي ،
قدّس اللّه روحه وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركات كلامه الذي فتح به عليه ، اللهم فهمنا كلامه فإن من فهم كلامه سعد ، وسعدت أيامه قال : الحمد للّه الذي اخترع الأشياء وابتدع ، وخلقها من العدم ، وسطح الأرض والسماء رفع وأنشأ الخلق من الماء والتراب والنهار وصنع وصوّر الأشباح والأرواح في الأجسام وأودع وشق لها آذانا وفما وعينين وجعل الآذان لموضع السمع ، وأسمع من أسمع ، ودور الوجه ، وزينه بالبهاء والجمال ونور يلتمع ، وأنطق اللسان بفصاحة الكلام ، وردّ الجواب في لا ونعم وكلام يسمع كل ذلك ليستدل على وحدانيته ، فإنه هو اللّه الواحد الأرفع ، فأهل العرفان في ميدان القبول قد مدتهم عنايته ، وعاد من بعض أوصافهم الورع متواضعين متصايلين تحت جناب الكريم ، يقصدون المكان الأوسع ، وكلما حلّ بهم حال أو مرّ بهم امتحان أو حط عليهم زمان تلذذوا بما جرى عليهم ولا يأخذهم بذلك جزع ، لو طرحت الجبال على رؤوسهم والبلاء كله عليهم ولا يأخذهم بذلك من شدة ذلك هلع ، عرفوا حقيقة المحبة وكشف لهم عن معنى الحبة والمحبة وتلذذوا بما شاهدوا من محبة محبوبهم فلا هرب ولا فزع غلال المحبة غلتهم وقيودها قيدتهم فما يرجعون عن محبوبهم ، قطعتهم سيوف المحبة قطع فمأمور أن لا يبيح ولا يشكو ولا يصيح ، ولا ينادي ، بل بالصمت لسانه قطع . ومنهم من غلب عليه حاله وترادفت عليه أحواله فصاح وجلب وانصرع . ومنهم من تمزق ومزق أطماره ، ولقلبه قطع ، ومنهم من تهتك وانهتك ، فدمعه على خديه يدمع ، أظهر حاله بالبكاء والعويل والوجد والنحيب والنحول المذيب والأمان من فيض المدامع تهمع لا قرار لمحب ولهان ولا متعلق نشوان ، لا منام ولا طعام ولا راحة ولا مضجع ، فكلما تمكن منهم حبهم لربهم وساقهم خوفهم والجزع ، وشدّد عليهم التشديد والإياس ، ولم يجدوا مطعم فمات من مات منهم وبقي من بقي ، فنسيم الصفاء والرجاء من بواطن سر قلوبهم تسمع ومن سكر بحب اللّه أو خاف من اللّه أشد الخوف تمزق وتقطع .