فصل آخر من كلام سيدنا ومولانا وشيخنا وقدوتنا إلى اللّه تعالى برهان الملّة والدين إبراهيم القرشي الدسوقي
قال : هذا كتاب إلى كل من يقف عليه من أولادي ، وغيرهم ويقرأه ويصغي إليه ، فاض على بحر الكلام جوهر النثر ودرر النظام ، وفصيح اللفظ التام ، كلام من فتوح الغيث يثبت الإيمان ، ويذهب الريب ، إني ، وجدت العلم المكتسب يحصل من الكتب ، فلم يكن ذلك أربي ، غير أني توكلت على ربي ، فوجدت أفضل العلم علما من الحي القيوم ، ولقد تقدم ذلك البيان « لآدم والخضر » عليهم السلام ، إذ قالت الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 33 ] مع قدم خلقهم وعز علو قربهم وطاهر عملهم ، فقذف في قلوبهم آدم السر المكنون ، وعلمه ما كان وما يكون ، وذلك ليعجز علماء الملائكة وكبراهم ، قال :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
[ البقرة : 33 ] ثم إن موسى صلى اللّه على نبينا وعليه كان عالما بالشريعة الطاهرة ، وقد خطر أنه لم يكن أحد أعلم منه في فعله وقوله ، فأوحى اللّه إليه : أن لنا عبدا يسمى « خضرا » ذو عقل وفهم ، وآتيناه من لدنا علما ، فجرت الحكاية المشهورة لهما « موسى » يحكم بالشريعة « وخضر » يحكم بالحقيقة في قصة السفينة ، وقتل الغلام وإقام جدار الأيتام ، فكان سؤال موسى للخضر : لم أقمت الجدار حتى تتخذ عليه أجرا ، فقال لموسى الخضر : إنك لن تستطيع معي صبرا ، وأبلغ العلم ، وأحسن الصدق ، جمع الجمع ، فمن أراد سلوك الطريق وبلوغ الحقيقة ، فليركب جواد العزم ، ويحتزم بالصبر ، ويعتصم في السر ، ويصقل قلبه بأنواع المجاهدة ويشرب شربة الحب لكي ينال القرب لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب » « 1 » بيت الرب .
وقال بعضهم : نور الإيمان أضوأ من الشمس والقمر ، فإذا أنعم اللّه على عبده عمر بالمراقبة ، ثم يتولد من المراقبة والمشاهدة والمجالسة والمؤانسة ، فعند ذلك يخلع على العبد خلع القبول ، ويعطى العلم الموهوب الذي هو روح العلم المكسوب ، وتضمحل حجب النفس ، فيحصل النظر الثاقب والعلم والحقائق والشرائع
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .