وأما العين فمركبة من سبع طبقات وداها مما ينصب من علو الطبقة من اللين والأذى فتارة من الحرارة ، وتارة من البلغم ، وتارة من الماء ، وتارة من الهوى والإنسان إنما هو ماء مدبر ، فإذا هبطت هذه المواد إلى العين أورثت غشى على الناظر والتخليط ، ولمس مواقع الأذى نهت عنه الحكماء ، يورث ذلك أذى في الرأس والعين ، فهذا أعم الأبدان ، وهذا علم الأديان ، فمن احتمى وحمى نفسه برياضة الطب الروحاني والحيوان والنفساني ، وترك ذلك أبصر وسلم الناظر الإنساني في الظاهر ، وأما ناظر القلب وهو حبة حب الحب المغروسة في السويداء وعين القلب إنما يغشيها ونورها إنما يعميها قلة مصلحة دائها الدفين المحادي لذلك ، ومن لم يشرب الخمار ، ويدخل الحان ، ويشرب شربة معالجة للزاد ، وذلك من طهارة الفكرة وصدق الإيمان والإخلاص ، ومعالجة الجوع ، وقدح النور أو النار فإذا جردت مرآة القلب بمجاريد الجد والجهد والجوع والخضوع ومخالفة النفس والهوى وحب الدنيا ، فعند ذلك يبصر القلب بعينيه ويرقى سنا سنائه ، ويجود بسره وثاقب نظره وشهاب قبسه ، فإن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ، وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب » « 1 » فإن الحكماء يتحدثون به ماسك الجسد وسلطانه ، فإن القلب شرايين صاعدة وهابطة يوزع على الجسد مما يحصل في القلب ، فتوزعه للقلب على الأعضاء ؛ لأن الكبد من عنده ، وهو مجوف له مجراه يسكن تحته الطعام يذيبه حتى يعود دما عبيطا « 2 » فيوزعه للقلب ، والقلب يوزع الدم في الشرايين صاعدة وهابطة تفرق على الأعضاء صاعدة وهابطة ، يوزع على الجسد والمرارة كضم مص الدم ، وقيل : الماء الأصفر الذي يتبقى من الدم ، فإن بعض الحكماء يذكر أنه يورث عللا في الجسم من بواسير أو نواسير ، وبعضهم يقول :
إنما يتولد من الأغذية المقاربة المختلفة ، فالحلال ينوّر القلب ، والحرام يظلمه كالأغذية الردية تعكسه ؛ لأن القلب إذا شبع ، ويروي طلمس وعمي ، وإذا انتقت وتنقنقت الأمعاء فقد مثلوا ذلك النجوم وطبقات سماء ، فالنجوم هي الرجوم للشياطين النفس والهوى ، وهو الذكر الخفي والوعد والوفي ، والنور المضيء وليس لشيطان عليه سبيل بدليل من القرآن ، قال عزّ وجل :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] كما قال الملك الواحد :
وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
( 7 ) [ الصّافات : 7 ] .
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) عبط : عبط الذبيحة يعبطها عبطا : نحرها من غير داء ولا كسر وهي سمينة فتية وهو العبط ، وناقة عبيطة ومعتبطة ولحمها عبيط ، وكذلك الشاة والبقرة ( لسان العرب ) .