يسجد لك ولتعرضه لمشيئتي وقدرتي ولدعواه ولتفكره في طول عبادته وبكر سنه وتطاول زمانه استصغر قدرك واستضعف حالك وقال منشأ في وقت حدث من طين وصلصال وفخار من أرض مظلمة ، لا نور ولا تقادم سنين ، مثلي في العبادة ودهور فأتلفه ، ما سلم لقدرتي ، فإن أمري بين كاف ونون ، أقول للشيء كن فيكون ، وعطائي في ساعة واحدة تسبق سنين ودهور ، وعنايتي في لحظة يقصر عنها العاملون ، وكرمي في طرقه يحير فيه العارفون ، فإني أعجز الكبير بالصغير ، والعزيز بالحقير ، والغني بالفقير ، والجبابرة بالبعوض والذباب ، أعجز الجبال والأرض والرمال والثور والحوت والبهموت ، فلم لا سلمت قال : يا رباه ما قدر الشقي على ذلك ولكن وعزتك وجلالك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، وعمد إلى حكاية مشهورة وتخابل وصار شيخ محدوب الظهر ، ودخل على حواء في فم الحية ، وتحايل بما يطول عنه الشرح إلا إذا خرجا جميعا ، وقد قيل إن الإنسان والطير والوحش ما يجيئون عشر معشار نسل الجن ، فإن إبليس اللعين ما يوسع الحيلة إلا في الخراب ويجيش حزبه ، فاللّه تعالى لا يمكنه من هذه العصابة المحمدية ، وليس ذا نسل إبليس إلا كظم الغيظ ، وطرح سيف الغيظ ، وخذلان اللعين بالتجاوز ، وقلة طاعة النفس ، فإن اللّه تعالى يقول :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
[ البقرة :
191 ] وما يغلب لعنه اللّه إلا بالعفو وقلة استعمال القيل والقال ، ولا شك ، إلا أن الواجب على العقلاء أن يتحققوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ذكر أن : « خير الزمان زماني وخير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أولئك ثلاث قرون » « 1 » وأما القرن السابع ، فكانوا يتعوذون منه ، لكن كان في أولئك الوحي والتنزيل والصحابة والتابعين .
وأما نحن في زمان ما فيه إلا بركة اللّه ورسوله وأوليائه زمان قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ترى عابدهم ذليل وعالمهم ذليل وعالمهم حقير » العلماء باللّه زمانا تظهر فيه الفتن ، ويكثر فيه الهرج والمرج لكن الوقت محتاج إلى فكرة حسنة وأن تلطف بقلوب المسلمين ، وأن تعاملهم بالرحب والسعة والإكرام ؛ فإن الناس عازمين على سنين حرب وجهاد وكفاح وجلاد ورجال واتحاد وعدو كبير من المشرق وهم « التتر » فإذا كان الناس يدا واحدة وقلبا واحدا وكلمة واحدة نتج أمرهم ، والواجب في هذا الوقت أن تقابل الأمراء والأجناد وغيرهم بالرحب والسعة والخلع والعطاء ، فإن هذا زمان فرسان الخيل وأبطال الرجال والشجعان فإنهم رعيتكم وكل راع مسؤول عن رعيته ،
هامش
( 1 ) خير الزمان زماني : ليس بحديث أما ما بقي من النص فقد روى نحوه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب لا يشهد على شهادة جور . . ، حديث رقم ( 2508 ) [ 2 / 938 ] وروى نحوه مسلم في صحيحه ، باب فضل الصحابة . . ، ( 2533 ) [ 4 / 1962 ] ورواه غيرهما .