وكما أنّ ظاهر النّفس الإنسانيّ مادّة الحروف الملفوظة كلّها ، كذلك ظاهر النّفس الرّحمانيّ مادّة حروف الوجود « 1 » ، وهو قيّوم الكلّ ، لا إله إلّا هو ، سبحانه أن يكون معه غيره ، وهو العزيز الحكيم .
ونقل عن الجنيد - قدّست أسراره - « أنّه عطس رجل بحضرته فقال :
الحمد للّه ، قال الجنيد : قل كما قال الحقّ « 2 » :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 3 » ، فقال الرّجل : من العالم حتّى يذكر مع اللّه ؟ قال : الآن » « 4 » ، فقال : وإنّ المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر .
فالأوّل : مقام الفاني في اللّه ، الغائب عن رؤية حجابيّات الكثرة ، الهائم في بيداء الغيرة .
والثّاني : مقام المحقّق الكامل الباقي ببقاء الحقّ بعد تعدّيه أطوار المراتب السّبعة في الفناء وتحقّقه بحقيقة
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 5 » أزلا وأبدا ، لأنّه لم يكن شيئا مذكورا ، وما كان له في نفس الأمر وجود حتّى يقال أنّه فنى ، بل وجود الفناء متوهّم متخيّل ، فزال الخيال لكشفه عن حقيقة الحال ، ومعاينته أنّ الفاني فان في كلّ حال ، والباقي باق لا يقال ،
هامش
( 1 ) - ص : مادة الحروف الوجودية كلها وبه قيام الوجود .
( 2 ) - في مخطوطة طهران : وقال كما قال الحقّ .
( 3 ) - سورة الفاتحة ( 1 ) : الآية 2 .
( 4 ) - ص : الآن فقل فإن المحدث .
( 5 ) - سورة القصص ( 28 ) : الآية 88 .