تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
كلّ حال يكون فيه من إرادة تقوم به ، سواء كان مختارا في تلبّسه بذلك الحال أو مكرها عليه - أن يجعل إرادته تبعا لحكم الشرع في ذلك الحال ، أو ذلك الأمر كائنا ما كان ، فما أراده الشرع ورضي به ، رضيه لنفسه في نفسه وفي غيره ومن غيره ؛ لاتّصافه بالإرادة لما أراده الشرع خاصّة « 1 » دون غرض باق له على التعيين في أمر مّا غير ما عيّنه الشرع وسوّغه ، هذا يعرفه أهل مقام الرضا ؛ فإنّ له أهلا من أكابر الصوفيّة « 2 » ذائقين لحكمه ، عارفين بأسراره ، منصبغين « 3 » بأحواله . والأدلّة والشواهد في هذا الباب « 4 » بحسب الموازين المشروعة العامّة ، والموازين الخاصّة والمتعارفة بين أهل هذا الشأن كثيرة لسنا نحتاج إلى ذكرها ؛ إذ القصد الإيجاز والإلماع لا البسط . واعلم ، أنّ كلّ مرتبة هاتين المرتبتين تشتمل على درجات لكلّ درجة أهل ، وبين المرتبتين أيضا درجات كثيرة لها أرباب ، وهكذا الأمر في كلّ ما ذكرناه من هذا القبيل في هذا الكتاب وغيره ، إنّما نكتفي بذكر الأصول الحاصرة التي لا يخرج شيء عنها من جنسها . وأمّا التفاصيل المتشعّبة فقد أضربنا عنها صفحا ، لرغبتنا في الإيجاز ، ولولا « 5 » قصور المدارك ما احتجت إلى هذه التنبيهات في أثناء الكلام ؛ لأنّها كالعلاوة الخارجة عن المقصود . ثم نرجع ونقول : وأعلى مراتب الرضا في مرتبة العبوديّة أن يصحب العبد الحقّ لا بغرض ولا تشوّف ولا توقّع مطلب معيّن ولا أن يكون علّة صحبته له ما يعلمه من كماله ، أو بلغه عنه ، أو عاينه منه ، بل صحبة ذاتيّة لا يتعيّن لها سبب أصلا ، وكلّ أمر وقع في العالم أو في نفسه يراه ويجعله كالمراد له ، فيلتذّ به ويتلقّاه بالقبول والبشر والرضا ، فلا يزال من هذا حاله في نعمة دائمة ونعيم مقيم ، لا يتّصف بالذلّة ولا بأنّه مقهور أو مغضوب عليه ، فتدركه الآلام لذلك ، وعزيز صاحب هذا المقام ، قلّ أن يوجد ذائقة « 6 » . وسبب قلّة ذائقة أمران :
هامش
( 1 ) . ه : خاصته . ( 2 ) . ق ، ه : الصفوة . ( 3 ) . ق : المتّصفين . ( 4 ) . ه : لباب . ( 5 ) . ق : فلو . ( 6 ) . ه : ذائقة .
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 310 | أبي المعالي القونوي / سيد جلال الدين آشتياني