تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
الذنوب ، وقبائح الأفعال . ومن الأفعال ما يختصّ بأحوال الكمّل ، ونتائجها خارجة عن هذه التقاسيم كلّها ، ولا يعرف حكمها على التعيين إلّا أربابها ، والواصل من الحقّ في مقابلتها إلى من ظهرت به لا يسمّى جزاء ولا معاوضة . وتسمية المحقّق مثل هذا جزاء وأجرا إنّما هي من حيث إنّ العمل المشروع يستلزم الأجر ؛ لكونه ناتجا عنه وظاهرا به ، كما أنّ الإنسان شرط في ظهور عين العمل في الوجود ، وتلك سنّة إلهيّة في هذا ونحوه ، لا أنّ هذا النوع من الجزاء يطلب من ظهر منه العمل أو به غير أنّه لمّا لم يكن العمل يقتضي لذاته قبول الأجر والانتفاع به ؛ لأنّه نسبة لا أمر وجودي ، أعاده الحقّ بفضله على من أضيف إليه ذلك الفعل ظاهرا من أجل ظهوره به وتوقّف وجوده عليه ، ولاستحالة عوده من هذا الوجه على الحقّ ، فإنّه كامل الغنى يتنزّه ويجلّ أن يعود من خلقه إليه وصف لم تكن ذاته من حيث هي مقتضية لذلك . وسرّ الأمر أنّ المطلوب من كلّ مرتبة من مراتب الوجود وبها وفيها ليس غير الكمال المختصّ بتلك المرتبة ومظاهرها ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك . وللأفعال والأعمال مرتبة ، ولها بداية وكمال ، فمبدؤها الحركة الحبّية والتوجّه الإرادي الكلّي ، المتعلّق بظهور الكمال الذي سبق التنبيه عليه عند الكلام على سرّ الإيجاد وبدئه . وكمالها هو ظهور نتائجها التي هي غاية كلّ فعل وعمل . فكمال الأعمال ونتائجها إنّما يتمّ حصوله بصدورها عن الحضرة الذاتيّة الغيبيّة ، وبروزها إلى مرتبة الشهادة التي هي محلّ سلطنة الاسم « الظاهر » الذي هو مرآة الاسم « الباطن » ومجلاه ومقام نفوذ حكمه ، فإذا كملت في مرتبة الشهادة بظهور امتياز نتائجها عنها وتبعيّتها لها ، عاد الأمر كلّه إلى الحقّ مفصّلا « 1 » على نحو امتيازه عنده في حضرة علمه أزلا ، مع أن لا فاعل سواه ، لكن توقّف ظهور الأفعال على العباد وإن كانوا من جملة الأفعال ، فالأفعال إنّما تنسب إليهم في الحقيقة من حيث ظهورها بهم ، لا أنّهم الفاعلون لها . وهكذا حكم الصفات التي توهّم الاشتراك بين الحقّ والخلق ، على اختلاف أحكامها
هامش
( 1 ) . ق : تفصيلا .
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 196 | أبي المعالي القونوي / سيد جلال الدين آشتياني