الإنسان هو إسطرلاب الحق ، لكن ينبغي أن يكون منجما عليما بالإسطرلاب ، وبائع الخضروات أو البقال أنى له أن يستفيد بالإسطرلاب ؟ وماذا تعلم عنه ؟ ولو امتلكه فكيف له عن طريقه أن يفهم أحوال الأفلاك ودورانها والأبراج وتأثيراتها وتقلبها إلى غير ذلك ؟ ! إذن فالإسطرلاب في حق المنجم مفيد ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ، وكما أن هذا الإسطرلاب النحاسى هو مرآة الأفلاك فإن وجود الآدمي الذي قال فيه تعالى (
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
) هو إسطرلاب الله الحق ؛ لأن الله تعالى خلقه عالما ومدركا وفاهما لذاته ؛ فهو يرى من إسطرلاب وجوده تجلى الحق وجماله الذي بلا كيف لحظة لحظة ولمحة لمحة ، ولا يخلو ذاك الجمال قط من تلك المرآة وللحق عز وجل عباد كسوا أنفسهم بالحكمة والمعرفة والكرامة ، وإذا لم يكن للناس ذاك النظر الذي يرونهم فلأنهم من غاية غيرتهم يخفون أنفسهم كما يقول المتنبي :
لبسن الوشى لا متجملات * ولكن كي يصنّ به الجمالا
* * *