مولانا جلال الدين وبين شخوصه سمة من أهم السمات التي تمنح حكاياته جانبا من الواقعية ، ولعله سبق في رفع الحائط الوهمي بين الكاتب وبين موضوعاته ، ومن المظنون انه إبداع من إبداعات مدارس الكتابة المعاصرة . وقد ترك مولانا هذه الحكاية من البيت 1997 ، ويعبر مولانا عن بطل حكايته بأنه صار بخياله شريكا له في أسراره ، إنه مثله ينصرف عن كنوز المادة إلى كنوز المعنى ، إنه - أي الفقير طالب الكنز - كنز في حد ذاته لأنه باحث عن الحبيب ، والباحث عن الحبيب متصل به ، والوجود كله مرآة أمامه وما تجليه المرآة هو جمال الحق ، انظر البيت رقم 34 من الكتاب الأول :
إن مرآتك غامت دنسا * صداً الطبع عليها طمسا
فإن مدحت ما تراه في المرآة فإنك تمدح الحق ، وإذا نظرت في المرآة دون خيال أي دون تفكير في وجودك الفردى والصوري ، فإنك إن أدركت قبسا من الحقيقة ، لما بقي شئ من وجودك . ويقول الأنقروى : أن هذا أشبه بما قاله ابن الفارض ( 6 - 2 / 33 ) :
سلامي مجازى عليه لإنما * حقيقته منى إلى تحيتي
لها صلواتي بالقيام أقيمها * وأشهد فيها أنها بي صلت
ولما بقي شئ من معرفتك ، وعندما تصبح جاهلا بعالم الصورة تطل المعرفة الحقيقية ، حيث يسمع الواصل من الله
إِنِّي أَنَا اللَّهُ
، ففي عالم الحقيقة لا متحدث في الحقيقة إلا الله ، إن مدح انعكاس الصورة في المرآة هو في الحقيقة مدح لأصلها ، ومن هنا لم يتردد الملائكة في السجود لآدم عندما أمروا بذلك ، لأن الله تعالى محا عن أبصارهم الحول فلم يعتبروا الحق ورجل الحق اثنين بل اعتبروهما واحدا ، والشهادة نفسها لا تطرح وجودا آخر ، ولا إله إلا الله هي كل الوجود الصوري والمعنوي ، ( انظر 2104 من الكتاب الذي بين أيدينا ) .
( 2274 - 2284 ) : يدرك مولانا أن الحديث سوف يتجه منه إلى وجهة أخرى ، وها هو الحبيب يجرى من آذاني ، ينبهنى ، يأمرني بأن اكشف عن الأسرار ، فلن تكشف ،