وراء كل خيال ، يظن أن فيه راحته وفيه نجاحه ، ومثل هذا الشخص لا يبنى شيئا ، ولا يقيم صرحا واحدا حقيقيا ، في خيال مع الشيطان في النوم يصيب ماء شهوته ، وهي لا تنجب ولا تنسل ، فكأنه زرع بذره في أرض بور ، وما أشبهه بصياد يطارد ظل طائر ، الطائر في الأعالي ، البناء الدنيوي الخالد هو الذي يكون موصولا بالآخرة ، هدفه التسامى . . . هدفه راحة البشر ، وبناء الإنسانية ، وهو يظن أنه يصيد الطائر ، حتى تفرغ كنانته . مشهد نشاهده كل يوم : يلهث المرء وراء دنياه ، يجمع من المال ما يجمع لكي يستريح ، وحين يستيقظيجد نفسه مريضا مهدما وربما وحيدا ، وتكافئه الدنيا بأن يحس بأنه لم يفعل شيئا ، فما ذا يجديه كسب الدنيا إذا خسر نفسه ؟
وأغلب هذه الأنماط تنتهى إنتحارا ، ولا أمل إلا أن يكون ظل الله عليه ، يهديه سواء السبل ، ويخلصه من كل هذه الأوهام والخيالات .
( 421 - 431 ) : أتدري ما هو المقصود بظل الله ؟ ! ! إنه عبد الله الذي يحيا بالله ، أفنى بشريته في حب الله ، وهو مظهر صفت الجمال والجلال وهو السلطان الحقيقي الذي لا يروح عنه سلطانه ولا تأفل شمسه ، وإنني لأسميه بالظل ، لأنه دليل على وجود نور الشمس الإلهية ، ومن هجير الدنيا يلجأ إليه المستظلون ، وبهم تنجو من الفتن التي أخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أنها تظهر في آخر الزمن ، واقرأ «
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
» ( الفرقان / 45 ) وكن كالخليل ، وقل «
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
» ( الأنعام / 76 ) أي عن طريق ظل الله ، توصل إلى الله ، ما دام الظل هو الذي يوصل إلى الشمس ، وما دامت الشمس قد ذكرت ، قإن خير من يدلك على شمس الحقيقة الساطعة هو شمس الدين التبريزي . لكن أين أنت من شمس الدين التبريزي ؟ أمامك اذن حسن حسام الدين ، ولم يذكر نفسه تواضعاً واستتارا ، فذكر أستاذه ، وذكر تلميذه ، فالولي لا يدعو إلى نفسه ولا يظهر نفسه .
( 432 - 439 ) : وإذا قلت : فما بالك قصرت الأمر على أستاذك وتلميذك ، وجعلت الحقيقة في زماننا وقفا عليهما فإن هذا يكون حسدا منك ، وأنا أحذرك من الحسد ، فأول معصية كان سبيبها الحسد : فإن إبليس لم يسجد لآدم حسداً منه «
قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
» و
« قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً »
فألقى بنفسه من حالق سعادة الطاعة إلى حضيض شقاء المعصية ،