هامش
فيكون في ذلك الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد ، حتى إذا كشف الغطاء لم يختل الأمر على الباطن .
ثم قال : فما ثمّ حقيقة تخالف الشريعة ؛ لأن الشريعة من جملة الحقائق ، والحقائق أمثال وأشباه ، والشرع ينفي ويثبت ، فتقول :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ الشورى : 11 ] ، وهذا قول الحقيقة بعينه ، فالشريعة هي الحقيقة .
وأطال في ذلك . وقال فيها أيضا : ومن جملة آداب الحق ما نزلت به الشرائع .
وقال : لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا يعلم ، ويعز الوصول إليه ، تنزلت الشرائع بآداب التوصل ؛ ليقبلها أولوا الألباب ؛ لأن الشريعة لب العقل والحقيقة لب الشريعة ، فهي كالدهن في اللب الذي يحفظ القشر ، فاللب يحفظ الدهن والقشر يحفظ اللب ، كذلك العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة ، فمن ادّعى شرعا بغير عقل لم تصح دعواه ، فإن اللّه تعالى ما كلف إلا من استحكم علقه ، ما كلف مجنونا ولا صبيّا ولا من خرف ، ومن ادّعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا تصح .
ولهذا قال الجنيد : ( علمنا هذا يعني علم الحقائق الذي نجا به أهل اللّه مقيّد بالكتاب والسّنة : أي أنه لا يحصل إلا لمن عمل بكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك هو الشريعة ، وقال : إن اللّه أدبني فأحسن أدبي ، وما هو إلا شرع له ، فمن تشرّع تأدّب ، ومن تأدّب وصل ) .
وقال سيدي عبد اللّه بن أسعد اليافعي رحمه اللّه تعالى في نشر المحاسن :
اعلم أن الشريعة الشريفة المنيفة مشتملة على قسمين : علم وعمل ، ثم العلم من حيث الجملة على قسمين : ظاهر وباطن .
والظاهر على قسمين : شرعي وغير شرعي .
والشرعي على قسمين : فرض ومندوب .
والفرض على قسمين : فرض عين وفرض كفاية .
وفرض العين على ثلاثة أقسام : علم صفات القلب ، وعلم أصل ، وعلم فرع .
وقد مثلت لهذه الأقسام وغيرها من أقسام العلوم ، وبيّنت المحمود منها والمذموم ، وأوضحت ذلك في خاتمة كتاب شرح التوحيد .
والقسم الثاني من التقسيم الأول وهو العمل على قسمين : عزائم ورخص . إذا علم هذا فاعلم أن الحقيقة ذات المعاني الرقيقة والعلوم الدقيقة مشتملة أيضا على قسمين : علم وعمل .
والأول منها على قسمين : وهبي وكسبي .
فالوهبي : علم المكاشفة ، والكسبي على قسمين : فرض وغيره .
والفرض على قسمين : فرض عين وفرض كفاية .
وفرض العين على ثلاثة أقسام : علم قلب وعلم أصل وعلم فرع ، كما تقدّم في العلم الشرعي .
فهذا العلم الكسبي الذي هو أحد قسمي علم الحقيقة هو علم الشريعة ، والقسم الثاني من القسمين الأولين وهو العمل هو القسم الأول من قسمي علم الشريعة الذي هو للعزائم ، وهو