قال صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر : « اللهم إن تهلك هذه العصابة ، لا تعبد في الأرض أبدا » « 1 » ؛ فكان هذا الذنب المتقدم ، وأمّا المتأخر ، فقال يوم هوازن ، وقد انهزم أصحابه لعمه العباس ، ولابن عمه أبي سفيان بن الحارث : « ناولاني كفّا من حصى الوادي » « 2 » ، فناولاه ؛ فاستقبل به وجوه المشركين ، وقال : « شاهت الوجوه حم لا ينصرون » « 3 » ، وكانوا أربعين ألفا فما بقي منهم رجل إلا امتلأت عيناه رملا وحصى ؛ فانهزم القوم عن آخرهم .
فلمّا رجع أصحابه إليه قال لهم : « لو لم أرمهم لم ينهزموا » « 4 » ، فنزلت هذه الآية :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] ، فإن قال قائل : كيف أثبت الرمي ثم نفاه عنه ؟ فالجواب عن ذلك : أن الرمي يحتوى على أربعة أشياء : على القبض والإرسال والتبليغ والإصابة ، فكان القبض والإرسال من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتبليغ والإصابة من اللّه عز وجلّ .
فاحذر أيها المرحوم أن تهمل قدر النبوة ، وتتهم أحوالهم ، وتقدر فيهم غير الذي يجب لهم ؛ فتهلك في الدنيا والآخرة ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، واحذر أن تعتقد في العصاة من أمته أنه إذا مات يعاقب على كل حال ، وافهم الكلام الأول فيه ، وفوض أمره إلى اللّه ، فإن عاقبه بذلك فبعد له ، وإن تجاوز عنه ، فذلك من فضله ورحمته .
وإن قلت في سرك إن العفو غير جائز ، وواجب على اللّه أن يعذب كل مصرّ بطول الأبد فتفسق وتلحق بالمعتزلة ، واحذر كل الحذر أن تنكر تشفيع الشفعاء ، وحط أوزار المجرمين شفاعتهم ، فتكون من المعتزلة ومن الوعيدية ، ولا تنكر الصفح والعفو أبدا من اللّه تعالى ، والشفاعة جائزة بالعقل وصحيحة في الشرع ، والإجماع من أهل السنة على صدقها ، والنصوص تشهد أنها في أهل الكبائر والصغائر ، ويدخل تحتها كل مذنب من الملّة حتى القائل بتكذيبها .
قال : صلّى اللّه عليه وسلم « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 5 » .
وقال في الشفاعة : « لا تحسبوها للمتقين إنما هي للخاطئين المتلوثين » « 6 » .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 1 / 30 ) ، والطبري في تفسيره ( 9 / 190 ) .
( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ( 7 / 298 ) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 6 / 184 ) .
( 3 ) تقدم تخريجه .
( 4 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 16 / 263 ) .
( 5 ) رواه أحمد ( 3 / 213 ) ، وابن حبان ( 14 / 387 ) .
( 6 ) لم أقف عليه هكذا .