أطلقته بالأمر على شيء المشار إليه قيدته في زمان الأمر كقولك : أمسك الدابة ، وصم عن الكلام ، قال اللّه تعالى :
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
[ مريم : 26 ] : أي صمتا .
قال الشاعر :
خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت الحجاج وأخرى تعلك اللّجما
وقال امرؤ القيس :
فدع ذا وسلّ الهم عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار وهجّرا
فصل : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الندم توبة » « 1 » : أي معظم التوبة ندم ، كما قال « الحج عرفة » « 2 » : أي معظم الحج عرفة .
وإن عزمت أيها المذنب على التوبة فاندم ، واعزم على فعل الخير المعروف ، وافعل به الحين ، وما عليك للغير بارد به ، وانصف المظلوم من التابعات المعنويات والحسيات وغيرها ، فإن لم تقدر فلأحد لواحقه مثل الوارث القريب له ، وكذلك اهبط بالتحليل في أهله ، واطلب نفسك بالإنصاف ، فإن لم تجد فمن الأحوال السنية ، والمعاملة الجميلة الخلقية العلمية والعملية ، وتشركه فيها ، فإن لم تجد فقاسمه في خيراتك كلها ، وجد في العمل الصالح حتى تكون واسع الذمة بحيث يعطى ، وتبقى غنيا بالكسب والمال ، فإن لم تسطع ، فارفع أمرك للغني القديم ، فهو ينصفك وينصف عنك للفقير العديم .
وما بينك وبين ربك استغفره فيه ، وتب له ، واخرج عنه ، وفوض أمرك فيه لكرمه ، واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب صيحة تنبيه رحمة ، ويقال لك : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ؟ فقل له : حلم الحليم ، وعجز الجريم .
فصل : يتوب الكافر من كفره ، والمؤمن من معصيته ، والسالك السعيد من غفلته ، والمؤمن لا يكفر بذنب ، فإن تاب فإنما يتوب من فعله المذموم ، وما في تصوره وتصديقه من معرفة اللّه تعالى لا يرفع بالفعل المذموم ، فإنه خارج عن صفة نفسه ، ولكل ذات معنى خاص بها ، ومضاف ويلزمها ويتعلق بها ، وهو منوط بها ، والمعلوم الصحيح الذي يتعلق به العلم على ما هو به ، وتحصل صورته في نفس العالم ، ومعرفته صادقة قد حققها القياس وأثبتها البرهان لا تتغير أبدا ، والعالم به لا ينتقل عنه ، ولا يخبر أن في غيره ما يعول عليه ، ولا يبقى له في محصوله ما يحتاج فيه إلى تلفت وامتحان كالأمور المظنونة .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1420 ) .
( 2 ) رواه الترمذي ( 3 / 237 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1003 ) .