هامش
مات قبل التوبة فلله تعالى فيه المشيئة : فإن شاء عفا عنه بفضله ورحمته أو بشفاعة نبي أو ولي من عباده ، وإن شاء عذبه بقدر جنايته ، ثم أدخله الجنة .
وقالت الخوارج : « كل من ارتكب معصية عمدا ، كبيرة كانت أو صغيرة ، فاسمه الكافر دون المؤمن وحكمه أنه يخلد في النار مع سائر الكفرة » .
ومنهم من يقول : « هو مشرك » ومنهم من يفرق بين الصغيرة والكبيرة ، فيحكم في الكبيرة بكفره ويخلده في النار دون الصغيرة ، وإنما قالوا ذلك بناء على أن أعمال الخير عندهم من الإيمان كالطاعات والامتناع من المعاصي فإن ارتكب معصية فقد زال إيمانه .
وقالت المعتزلة : « إن كانت المعصية صغيرة فاسم مرتكبها المؤمن ، وحكمه أنه إن اجتنب الكبائر لا يجوز تعذيبه على ذلك ، وإن كانت كبيرة فهو ليس بمؤمن ولا كافر ويخرج بها من الإيمان ولا يدخل في الكفر ، فتكون منزلته بين منزلتين ، واسمه الفاسق وحكمه أنه يخلد في النار إن مات على ذلك ولم يتب » .
وإنما سميت المعتزلة معتزلة لهذا المعنى لأن الناس كانوا فرقتين قبل خروج واصل بن عطاء المعتزلي ، فرقة منهم كانوا يقولون بأن المسلم بارتكاب الكبيرة لا يخرج من الإيمان ، وهم أهل السنة ، وفرقة منهم كانوا يقولون : « يخرج به من الإيمان ويدخل في الكفر » وهم الخوارج ، فاعتزل واصل عن الفريقين وقال : « يخرج به من الإيمان ولا يدخل في الكفر » فسميت أتباعه معتزلة لهذا المعنى .
والحجة لأهل الحق في ما قالوا قوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى[ البقرة : 178 ] ، وقوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى[ النساء : 43 ] ، سماهم مؤمنين في الآيتين بعد ما اقترفوا الكبيرة ولأن الإيمان هو التصديق في اللغة ، ومرتكب الكبيرة لا يمتنع من التصديق ، فإنه يصدق محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بما جاء به من عند اللّه تعالى ، وزوال الشيء مع قيامه محال .
وإذا ثبت أنه مؤمن فحكمه أنه لا يخلد في النار ، وتكون عاقبة أمره الجنة لقوله تعالى :وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ[ الطلاق : 11 ] ، ولقوله تعالى :وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ[ النساء :
124 ] ، ولقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، [ البروج : 11 ] ، ولقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا[ الكهف : 107 ] ، وهذا الشخص مؤمن وقد عمل الصالحات ، فتكون عاقبته الجنة ، وشبهة الخوارج في تسميته كافرا تمسكهم بقوله تعالى :وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً[ الأحزاب : 36 ] ، سماه ضالا بارتكاب المعصية من غير فصل بينهما إذا كانت كبيرة أو صغيرة .
وشبهتهم في حكمه وهو الخلود في النار قوله تعالى :وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها[ النساء : 14 ] ، وشبهة المعتزلة في تسمية فاسقا لا مؤمنا ولا كافرا ما