إليه بالحديث ، ثم إن أهل المغرب أهل الحق ، وأحق الناس بالحق ، وأحق المغرب بالحق علماؤه ؛ لكونهم القائمين بالقسط ، وأحق علمائه بالحق محققهم وقطبهم ، الذي يدور الكل عليه ، ويعول في مسائلهم ونوازلهم ، السهلة والعريضة ، عليه . فهو أي ابن سبعين حق المغرب ، والمغرب حق اللّه تعالى » انتهى .
وشاعت شهرته بالزّهد والعلم ، فأعجبت به سيدة صالحة ثرية من أهل سبته ، وطلبت منه التزوّج منها ، فتزوجها . وأقامت له في بيتها زاوية للعبادة .
ويظهر أن شهرة ابن سبعين بالحقائق الإلهية والعلوم العقلية قد استطارت في الآفاق ، بدليل ما ورد في مستهل كتاب : « المسائل الصقلية » ، وهي المسائل التي كان الإمبراطور فردريك الثاني ملك النورمانديين في صقلية ، قد وجهها إلى علماء المسلمين ؛ تبكيتا لهم فيما ذكر المقري ، أو الاستفادة وحب الاستطلاع لما كانت عليه شهرة المسلمين حينئذ بالفلسفة والعلم كما نرى .
وهذه الأسئلة الفلسفية وجّه فردريك الثاني نسخا منها إلى المشرق ومصر والشام والعراق والدروب واليمن ، لكن رجعت أجوبة حكماء المسلمين بما لم يرضه فريدريك الثاني ، فسأل عن أفريقية « تونس » ومن بها ، فقيل له : إنها عريّة من هذا الشأن : أي من الفلسفة ، وسأل عن المغرب والأندلس ، فقيل له : إن بها رجلا يعرف بابن سبعين .
فكتب فردريك للخليفة الرشيد من أولاد عبد المؤمن في أمرها .
فكتب أمير المؤمنين لعامله بسبتة ، وهو : ابن خلاص ، أن ينظر في الرجل المذكور أن يرد الجواب على الأسئلة .
وكان مالك الروم يعنى فردريك قد وجه مع رسوله جملة مال . فاستدعى ابن خلاص الإمام قطب الدين ، وأوقفه على الأسئلة بأمر الخليفة ، فضحك ابن سبعين وألزم نفسه الجواب .
فدفع له ابن خلاص المال الذي جاء به رسول ملك الروم . فردّه ولم يقبله ، وقال : إنما أجيب عنها احتسابا للّه ، وانتصارا للملّة الإسلامية ، ثم قرأ قوله تعالى :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الأنعام : 90 ] وجاوبه .
فلما بلغ الجواب للملك فردريك أرضاه ووجه بصلة عظيمة فردت عليه كالأولى » .
وهذه المسائل الصقلية التي سأل عنها فردريك الثاني علماء المسلمين هي :
المسألة الأولى : عن العالم : هل قديم أو محدث ؟
والمسألة الثانية عن العلم الإلهي : ما هو المقصود منه ، وما مقدماته الضرورية إن