تحصل البرهان الذي يفيد حقيقة المطلوب ، ويكشف له المعلوم على ما هو عليه .
وهذا البرهان : هو مثل النهار الكاشف لحقائق الأشياء .
وكذلك يتحفظ من دخول الشكوك عليه إذا شرع في مسألة ثانية ، ويضع لها مقدمات أخر ، فهي أيضا مثل إقبال الليل لمّا فيها من الشكوك ، ومن الغلط فيحضر ويتوجه توجها تامّا عند دخول العوالم ، وقضاء المخاطبات عليه حتى لا تشككه وتغلطه ، فيكون نهاره ما انجلى له من القضايا اليقينية بالبرهان الساطع ، وليله ما يستقبل من البحث بعد ذلك ، والطلب في مسائل أخر ، والأسحار : ابتداء كشف المسائل ، والآصال ابتداء البحث والتشكيك عند الشروع في وضع المقدمات ، فيحتاج التثبيت وإمعان الفكر ، وإحضار الذهن لأنها مواطن تحصيل المطلوب ، فلا تجوز الغفلة في هذين الموطنين ؛ ولذلك حض على الحضور والتوجه في الغدو والآصال .
ويقال : الليل : هو الغفلة والمخالفة لأنهما حجاب عن الحق ، وسبب البعد منه ، والنهار : هو الحضور والاستقامة لأنهما قرب من الحق ، وسبب رضوانه .
والأسحار : هي ساعات التوبة واليقظة والغفلة ؛ فحضّ على الحضور والتوجه هنا والتثبيت ؛ لأنها آخر المخالفة والبعد ، وأول الطاعة والقرب ، فيخاف على التائب هنا في أول أمره أن تجذبه العوائد والعوالم الأول التي خرج عنها وتصرفه وترده إلى عالم المخالفة ، فأمر بالحضور والتوجه والصدق في هذا الموطن ليقوى خبر اليقظة التي نبهته على الرجوع إلى اللّه ، ويقوي عزم التوبة حتى تثبت حاله في الهدية والاستقامة ، وتتجلى له مقامات الإرادة ويغتبط بها ، ويثبت فيها ، ويكشف له المطلوب بعد ذلك صحبة الصنائع العلمية والعملية .
وقد يقال : الليل : هو الطبيعة وعالم الأجسام ، واستيلاء الشهوات البدنية على جوهر الإنسان حتى يغمره ، والنهار : هو إشراق العقل الفعال على جوهر النفس الناطقة ، وكشف الذوات الإنسانية المجردة عن الزمان ، والأسحار : هي النفحات الواردة من العقل الفعال عند تحصيل العقل المستفاد ؛ فأمر بالتثبت عند تجرد النفس من الشهوات الطبيعية ، والعزم السالب صحبة الهمة الجليلة ، إذ هو موطن صعب لا يقطعه إلا السعداء ، وهذا بحسب رأي ما .
وقد يقال : الليل : هو الأخلاق السيئة ، وهو النفس عند الصوفية ، وهو الحجاب عندهم ، إذ هو من ظلمات الحظوظ .
والنهار : هو الأخلاق الطاهرة المطهرة ، إذ هي من صفات الذوات الروحانية ، وهي
رسائل ابن سبعين — صفحة 105
مساهمون: ابن سبعين
ص١٠٥