شراب المحققين
اللهجة مغربية متفحصة
لا تسلّم لمن صحا * من شراب المحقّقين
كلّ من ذاق ذا الشّراب * وفهم مدلول الخطاب
من معاني فكان قاب « 1 » * وثبت بعد ما امتحى
وتركّب في كلّ حين * لا تسلّم لمن صحا
من شراب المحقّقين * إن قنع بعد ما امتحق « 2 » مضت الشّبعه في العرق * ويقالّو مور انطلق
من عطيه قلبو ذاك جحا * يبقى يطلب طول السّنين « 3 » لا تسلّم لمن صحا * من شراب المحقّقين
أي وصول ثمّ وأيّ وصال
هامش
- الكلمة قاب : بمعناها اللغوي من القوب أي القرب ، وقد جاء في قوله تعالى : دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى النجم الآية ( 9 ) ، أي قدر قوسين عربيّين ، والكلمة في هذا البيت تعبر بالإضافة إلى الأبيات السابقة على فكرة الشرب والذي هو رمز للتّضوّع من بحر المعرفة ، فكل من اغترف غرفة من بحر المد الإلهي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق المعرفة الكاملة بالوجود .
- امتحق : ذهب النشار في تعليقه على بعض كلمات هذا الزجل إلى تفسير كلمة امتحق بشبع . ونحن نرى أن كلمة امتحق : تعني الفناء ، وامتحق في لسان العرب من المحق وهو النقصان ، وشيء ماحق ذاهب ، وكذلك : محقه محقا أبطله ومحاه ، أي أفناه ، إذا فالصوفي السالك في طريق العرفان إذا ذاق من شراب المعرفة الذوقية وأصابه المحو والفناء في مدارجه الأولى ثم توقف عنده واكتفى بما جناه ولم يطلب المزيد ، لأن طالب المعرفة الصوفية كالشارب من مياه البحر ، كلما ازداد شربا كلما ازداد عطشا ، يتبخر ذلك القدر اليسير من شربه ، ويفقد ما قد حصل له من تجلّ .
- جحا : شخصية أسطورية عرفت بذكائها المفرط أحيانا وبغباوتها الزائدة أحيانا أخرى .
ويطلق هذا الاسم في الدارجة المغربية في كثير من الأحيان على الرجل الحذق رغم ما يبدو عليه من بله وسذاجة .
توضيح : ومعنى البيت : أن الصوفي الذي ذاق لذة الشراب « لذة المعرفة الإلهية » رغم ما يبدو عليه من عدم التماسك النفسي ويبدو عليه كجحا ما ليس هو في حقيقته ، فإنه في قصده وفي قرارة نفسه يكون طلبه هو الفناء عن ذاته ليبلغ مقصوده وهو البقاء بقرب ربه .