تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠

الفصل الثاني في أن شخص الإنسان عالم صغير

اعلم أن شخص الإنسان بالنسبة إلى العالم بما فيه عالم صغير ، لأنه نسخة العالم الكبير بأن يوجد فيه جميع ما في العالم من العناصر الأربعة ، ومثال من المعمور والخراب وأشباه من البر والبحر والجبال ونظائر من الجماد والنبات والحيوان ، وكأنه مختصر من الجميع ومؤلف من الكل بعضه ظاهر وبعضه خفي غامض ، ونحن بتوفيق اللّه ومعونته نورد من ذلك جملا بقدر ما يطلع منه المتأمل على صحة ذلك ولا يخرجنا من حد الإيجاز ، فإن الكلام في شرح ما ادعينا طويل عريض ، فنقول : إن الإنسان لما كان مركبا لم يجز أن توجد العناصر فيه بسيطة ؛ لأنها لو وجدت فيه بسيطة لحللته سريعا يعني الجزء من النار البسيط بعينه إذا جاوز المركب منه ومن غيره حلله ورده بسيطا ، وكذلك حال الباقيات وإن كانت النار أظهر فعلا . فلما لم يكن ذلك وجب أن توجد فيه مركبة ، وإذا نظرنا في ذلك وجدنا في الإنسان ما يجري مجرى النار في الحر واليبس ، ومجرى الأرض في البرد واليبس ، ومجرى الهواء في الحر والرطوبة ، ومجرى الماء في البرد والرطوبة ، أما ما يجرى مجرى النار منه ، فالمرارة المعلقة بالكبد لأنها حارة يابسة وهو مستقر هذا الخلط ومفيضه من جميع البدن ، وأما ما يجري مجرى الأرض فالطحال لأنه بارد يابس ، وهو أيضا مستقر هذا النوع من الأخلاط ومفيضه من البدن وأما ما يجري مجرى الهواء فالدم الذي في العروق لأنه حار رطب ، وأما ما يجري مجرى الماء فهو البلغم ولم يفرد له وعاء يخصه كما عمل له في الثلاثة الأركان الأخر من أجل أنه مستعد لأن ينهضم ، وإذا انهضم صار غذاء تاما ولم يكن فضلة كتلك الأخر ، وبنوع آخر من الاعتبار قلنا القلب معدن الحرارة واليبس وهو بطبع النار ، والكبد وهو معدن الحرارة والرطوبة وهو بطبع الهواء ، والدماغ معدن البرودة والرطوبة وهذا بطبع الماء ، والعظام معدن البرد واليبس ، وتلك فروعها ، فأما مثالات أجزاء ما في العالم الكبير فإن الرطوبة التي تخرج من العين والفم تجري مجرى العيون في الأرض ، وبخار البدن يجري مجرى السحاب ، والعرق يجري مجرى المطر ، فأما عروق البدن فإن كبارها تجري مجرى الأودية وصغارها يجري مجرى الأنهار والجداول ، وأما الشعر فهو مجرى النبات والحيوان الذي يتولد من ظاهر البدن يجري مجرى حيوان البر والحيوان الذي يتولد في باطنه يجري مجرى حيوان البحر ، ونصف البدن المقدم الذي فيه الوجه يجري مجرى العامر من الأرض الذي فيه البلدان ، ونصفه المؤخر الذي فيه القفا يجري
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 90 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي